Arab Knights

for every body
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ابن جبير

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: ابن جبير   الأربعاء يوليو 18, 2018 11:36 pm

هذه قصة ابن جبير كتبتها منذ خمسة عشر سنة على حلقات ومازلت أذكر لحظات تجربتي مع ابن جبير وكلما قرأت فصلاً منها عدت لأعيشها بكل جوارحي وأنتظر عودتك يا ابن جبير
الفصل الأول
اللقاء ....
رب صدفة خير من ألف ميعاد....
أول يوم
يوم ككل أيامي الرتيبة في هذه المدينة الضائعة بين حقول فرنسا...
سرت هذا الصباح خارجاً من منزلي لإيصال أولادي إلى مدارسهم...
آه ... نسيت... كل عام وأنتم بخير فنحن في صباح أول يوم من رمضان...
رمضان هذه السنة له طعم مر... مرير....... ولا أحب أن أخوض في مرارة واقعنا... فأنا أحب التفاؤل وأهرب من الكلام في الكوارث..
أما أنا فطبيب مغترب.. جئت من موطني الحبيب للدراسة ثم تحول الدرس إلى عمل والعمل إلى حياة وكبر الأولاد وبقيت أعد أيامي...لا أدري ، هل أعود يوماً لحبيبتي دمشق التي صرت أزورها كضيف ثقيل بعد أن كنت ابنها البار المطيع...
خرجت اليوم كما قلت لكم .. وأنا صائم والحمد لله الذي أحياني حتى بلغني هذا الشهر الفضيل..
أخذت أفكر بأولادي.. ومشاكلي... وواجباتي... والمسجد... والغربة التي أنا فيها مع كل المسلمين ..
غربة في البلد.. فأنا بعيد عن موطني .. وغربة أخرى كتبها الله على كل المسلمين في بلاد المعاصي المنتشرة حتى في مواضع الإسلام.. والغربة الكبرى وهي غربة  هذه الدنيا .. فما نحن إلا عابري سبيل ومآلنا للعودة لبيتنا الذي ندعو الله أن يكون جنة الخلد..
أعتذر عن هذه المقدمة... لكن التفاصيل ستأتي بإذن الله...
أين كنّا ؟؟؟؟ آه تذكرت... في طريق المدرسة لإيصال أولادي.....
مدرستهم قريبة لكنها في طريقي للمشفى حيث أعمل طبيباً استشارياً منذ سنوات عديدة
أوصلتهم وتابعت طريقي... طريق سهل يكاد يخرج من البلدة ليصل المشفى في أطرافها...لايوجد مارة.. وعلى طريقي ملعب كبير لكرة القدم لا أسوار له ولا مدرجات للجلوس رغم الاعتناء به ورسم خطوطه بعناية ، والسيارات تسير لتنقل العاملين في المشفى أو المراجعين..
تعلمون أننا عندما نقود السيارة نصبح كالرجل الآلي .. نفكر بعيداً ولكن حركاتنا تقود السيارة دون أي تفكير ، خاصة إذا كان الطريق متكرراً ومعروفاً..
شرد ذهني قليلاً أثناء قيادتي للسيارة وشعرت أن شيئاً مختلفاً يقف على الرصيف ...
توقفت دون شعور مني .. وسمعت أبواق السيارات خلفي تعترض على توقفي المفاجيء ..ركنت السيارة جانباً ونزلت.. عدت أدراجي..
الرصيف خال تماماً من المارة ..
ورجل طويل فارع .. أبيض مشوب بالسمرة يقف معتدل القامة شامخ الرأس . يرتدي عباءة أندلسية سابغة ويضع على رأسه عمامة خضراء ..
لحيته الكثة يملؤها الشيب.. وبيده عكاز من غصن قوي يمسك بها بقبضته اليمنى ..
نظرت إليه وأنا أتساءل؟؟؟ هل أنا في حلم ؟؟؟؟
نظر في وجهي ونطق بلسان عربي فصيح : السلام عليكن يا أخا العرب .. أنا أنتظر منذ مدة أن  يمر بي ، من أستطيع الكلام معه ... فأنا لا أتقن من اللغات إلا العربية والقشتالية والأندلسية والرومية وبعض الفارسية وأظن أني أتكلم القليل من لسان أهل التركمان .. ولا أدري بأي لغة يتحادث الناس هنا... ربما لسان الفرنجة؟؟؟؟
مع كل كلمة سمعتها منه شعرت أنني أتحول لقالب من الصخر... وتملكني حيرة شديدة ...  وأم أصدق عيني ...
السلام عليكم يا أخي... أنا أخوك الصالح ماذا تفعل هنا في صباح أول يوم من رمضان؟؟؟؟ هل تريد مني أن أوصلك لبيتك ؟؟؟ بعض الناس في فرنسا عنصريون يا أخي كما تعلم ولا آمن عليك أن يؤذوك بكلمة أو قول وأنت بلباسك هذا ووقوفك وحيداً ... هل أنت عابر سبيل ؟؟؟ فأنا أعرف أغلب المسلمين في مدينتنا ولا أذكر أنني رأيتك في مسجدنا سابقاً؟؟؟
ابتسم الرجل ابتسامة واسعة عندما سمع كلماتي وقرأ في عيني الدهشة والاستغراب ...
لاتخف يا أخي فأنا لست مجنوناً .. أجابني بثقة واطمئنان...
أنا يا أخي ابن جبير الأندلسي... كنت قاض في مدينتي ثم سافرت لأجوب الأرض وأحج لبيت الله الحرام ... ولا أظنك تعرفني...
ابن جبير؟؟؟؟؟؟
ابن جبير ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
اختلطت الأمور في رأسي....
الرجل من أهل القرن السادس الهجري.....
هل أنا الذي عدت في الزمن ؟؟ أم حصل لي هذيان جعل الأزمان تختلط في رأسي....

وللحديث بقية....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: الفصل الثاني   الخميس يوليو 19, 2018 12:26 pm

2):

مساء الخير
تقبل الله صيامكم
بقي للإفطار عندنا ثلاث ساعات سأحاول أن أتذكر بها شيئاً من قصتي مع ابن جبير
أخبرتكم أنها كانت منذ خمس عشرة سنة

كانت قصتي معه كحلم جميل أتمنى عودته
أتذكر يوم قابلته للمرة الأولى ، مع نظرته الواثقة وكلماته الهادئة
أتذكر ابتسامته اللطيفة ولحيته البيضاء
رجل غريب بعيد لكنه قريب للقلب لصيق حبيب
عاش هذا الرجل منذ ثمانية قرون في وقت عصيب حيث ضاعت قرطبة وطليطلة ونقصت أرض الأندلس رغم حضارتها الزاهرة ، وحيث سيطر الصليبيون على أرض فلسطين وشردوا أهلها وحيث تفرق أهلنا وصارت كل مدينه مملكة
ربما كان هذا السبب في عودته في عصرنا
لا أدري
أحياناً أتساءل هل كانت القصة حلماً أن هذيانات لا أصل لها
سأضع لكم تتمة القصة تباعاً

الفصل الثاني

ابن جبير

ابن جبير ؟؟؟

ذلك الرحالة الأندلسي الذي جاب العالم الإسلامي في زمنه...
الرجل عاصر صلاح الدين وعاصر حروب الصليبيين
الرجل الذي كان يرى الإسلام في المغرب أنتن وأشد عرى منه في المشرق حتى اذا انتصر المسلمون على الصليبيين عاد فمدح أهل الشام ومصر والحجاز...
رجل كان علامه في زمانه.. كتب عن رحلاته وفصل عن أحوال الناس في البلاد التي زارها والتي كانت عناوين الحضارة وقمة المدنية ومراكز الإشعاع للعلم والثقافة في العالم كله
ما الذي أتانا بك يارجل؟؟؟
نظر إليّ نظرة شديدة وقال : أي عصر هذا ؟؟ وفِي أي البلاد أنا..
أنت ياسيدي في القرن الخامس عشر الهجري.. في بلاد الفرنجة.. بل أنت في شمال بلادهم إلى أبعد موضع انتهى إليه المسلمون في بعثاتهم عند فتح فرنسا..
فتح فمه وصرخ في وجهي ...
الله أكبر...
الله أكبر...
القرن الخامس عشر الهجري؟؟؟
فتح الله عليكم بلاد الفرنجة ؟؟؟ دخل الإسلام الدنيا؟؟؟
بارك الله بكم  يامسلمين .. كنت متأكداً أن الإسلام سيسود الدنيا بعد قرن أو قرنين من زمني... فكيف بنا في القرن الخامس عشر...

هل عادت قرطبة للمسلمين من يد الإسبان ؟؟
هل فتحتم القسطنطينية وهل دخلتم روما؟؟؟؟

هل استطعتم إدخال الخير والعدل إلى تلك الأصقاع البعيدة التي في الشمال حيث كان يصلنا منها السفن فيها رجال أشداء لا يعرفون في الدنيا إلا القتل فيهاجمون سواحل الأندلس ...
قل يا أخي ..أسرع .. بشرني بشرك الله بالخير .....

أحسست أن سكيناً تنطلق لتنتزع قلبي وأنني أودّ او أموت مئة مرة ولا أخبر هذا العملاق بالحقيقة...
وبقيت متحيراً أشعر في نفسي الرغبة بالكلام معه ويشدني الخوف للتحفظ والريبة...

هل أنت فعلاً ابن جبير ...
ابتسم قائلاً .. نعم يا أخي... هذا اسمي الذي اشتهرت به ..وطريقتك بالسؤال تجعلني أظن أنك تعرفني...

هلا أخذتني  للمسجد كي أسجد لله ركعات...

في أي الشهور نحن؟؟
قلت له في الأول من رمضان ...

الحمد لله.. فلم أضع في فمي طعاماً منذ البارحة.. أنا صائم.. هيا للمسجد .. ولا تقلق على أخيك ابن جبير...فقد رأيت مركباتهم الحديدية الغريبة وفهمت أن الله أن الله سخر لكم مالك يسخره لنا... هيا يا أخي...

فتحت باب السيارة... دخل ابن جبير وجلس وابتسامة خلوة ترتسم على وجهه...

أخذته للمسجد... وضعته فيه وأنا أحاول أن أسير في الشوارع الجانبية كي لا يلاحظ سي الناس فيعرف الحقيقة...

ذهبت لعملي وأنا أتساءل... هل كنت أحلم؟؟
هل رأيت فعلاً هذا الرحل...
هل هو مجنون ؟؟

ولماذا لا يكون ابن جبير حقيقة...
سأنهي عملي مسرعاً ثم أذهب لأراه ... لعله حقيقة؟؟؟؟؟؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: الفصل الثالث من قصة ابن حبير   الجمعة يوليو 20, 2018 2:18 pm

(3)
الفصل الثالث
اليوم الأول

ذهبت البارحة وقابلت ابن جبير....
هل هو ابن جبير حقاً....
والله لاأدري...
سأحكي لكم قصتي معه البارحة وأنتم من سيحكم ويقول من هذا الرجل وماذا سنفعل معه...

ذهبت البارحة لصلاة الجمعة في المسجد... وأنت أتساءل أين سأجد ابن جبير...

وصلت بعد بدء الخطبة فلم أتحركت حتى انتهت... وكان إمامنا الجديد جزاه الله خيراً يخطب بصوته الجهوري وبأسلوبه الحماسي وببساطه العربي الفصيح فبحث الناس على العبادات والإنفاق في رمضان... والنَّاس تستمع وقد شدتها الخطبة ... انتهينا من الصلاة.. وجلت بنظري أبحث عنه ...
لم أره؟؟؟؟؟؟؟؟
ذهبت لخادم المسجد الشيخ محمد وسألته إن كان قد رأى الرجل الذي حضر معي للمسجد هذا الصباح... فأخبرني أنه رأى رجلاً جلس في زاوية المسجد يقرأ القرآن وقد خرج من المسجد لتوه بعد الخطبة ولم ينبس طول الصباح ببنت شفة...
خرجت مسرعاً أجوب الشوارع حول المسجد لكنني لم أجده...
عدت للمسجد والخوف يتملكني... هل أخطأت أن تركته وحده... وماذا إذا ضاع في الشوارع في هذه المدينة التي يبدو أنه لا يعرف فيها أحداً ... ألست أنا المسؤول عن هذا ... لكن الله طمأن قلبي عندما تذكرت أن ابن جبير هو سيد الرحلات من أهل الأندلس... وقد جاب بلاداً لم يعرفها في حياته.. هو ابن جبير حتماً ... لابد أنه هو... وسيعود للمسجد بإذن الله مع المغرب للإفطار..
ارتحت لهذه الفكرة وذهبت لعملي....

عدت لعملي لكنني بقيت شارداً أفكر كيف سأقابل هذا الرجل في المساء ...وماذا سأقول له... سبحان الله...ماذا سأقول له...وما الذي يربطني بهذه القصة الخرافية التي لم تخطر لي على بال..
كل أمور الدنيا توقعتها إلا أن أكون من سيقابل رجلاً أتى من قرون...

هرعت بعد العمل للبيت... لايفصلني عن الإفطار إلا دقائق ، والإفقار مع الأولاد لذيذ ممتع أسعى ألا يفوتني مهما تراكمت الأعمال إضافة أنه عبادة وتربية وتهذيب.. فنحن نفطر على السنة ، بضع تمرات ورشفات من الماء ، ثم الدعاء ... ثم نقوم لصلاة المغرب جماعة.. يبدأ الصلاة منا أنا أو أحد الأولاد ليصطف الباقون خلفه ، ثم نجلس جميعاً على مائدة الإفطار.
بعد الإفطار تعجبت الذهاب للمسجد...
ولا أخفيكم أن الإفطار في مسجدنا جميل ممتع..يبعث التفاؤل والسرور...ففي كل يوم يحضر أكثر من خمسين من الشباب وطلاب الجامعة وبعض أهل المدينة للطعام حيث يأتي أحد الإخوة بالطعام الكافي للجميع ... يبدؤون بالجزيرة وهو حساء مغربي لذيذ يؤكل مع الخبز ... ثم يأكلون الخبز والعسل والحلوى والتمر والبيض المسلوق ويشربون الشاي الأخضر والقهوة ... وأخيراً يأكلون شيئتً من اللحم المطهو مع البرقوق أو الزيتون....وغالباً ما يوجد بعض الفاكهة في النهاية...

دخلت فوجدت الطعام مازال قائماً...
ووجدت الجميع يلتف حوله ..بوجهه المضيء ولحيته البيضاء وعباءته الأندلسية.. وهو يتكلم ويضحك...
ما إن رآني حتى وقف مستبشراً...
أخي صالح ... السلام عليكم ورحمة الله... تقبل الله صيامك...
والله يا أخي ذكرني إفطاركم هنا بالإفطار الذي عاصرته في رمضان بمكة المكرمة ببركة الطعام  ونور الوجوه...
ترددت قليلاً وفتحت فمي لأتكلم .. فعاجلني  قائلاً : لا عليك يا أخي ... فلي معك حديث يطول ... فقد عرفت الكثير من الأمور اليوم وأود أن توضحها لي...

أمسكت بيد الرجل وذهبت به إلى أحد غرف صفوف التدريس حيث لا يرانا أحد...
سمعت أحد الشباب يسألني هامساً : قل لي يا دكتور صالح من هذا الرجل ؟؟؟يقول أن اسمه ابن جبير ... هل هو مغربي أم جزائري ؟؟ أم لعله من بلادك وقد حضر منها لتوه ؟؟ هل أحضرتموه في الجمعية ليقوم بتدريس القرآن مع الإمام...
همست بأذن الشاب المسلم : ابن جبير هو رحالة أندلسي عاش منذ ثمانية قرون... وذهبت مسرعاً للغرفة مع الشيخ تاركاً الشاب فاغراً فاه وقد اتسعت عيناه من الاستغراب دون أن أترك له الفرصة ليتابع تساؤلاته..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: ( 4 ). :   الأحد يوليو 22, 2018 8:27 am

(4)
سألني صديقي الغالي الدكتور خلدون الزعبي لماذا استحضرت ابن جبير وليس ابن خلدون والحقيقة أنني لست إلا كاتباً هاوياً، أحب أن أخط ما يختلج في قلبي ولا أتقن صنعة التأليف ولا الرواية
هذه الأقصوصة أظنها أجمل ما ألهمني الله ، وضعت فيها ماقدرت عليه من رسائل وأفكاراً مع نظرتي المجتمعية لواقعنا وماضينا ومستقبلنا
وضعت فيها كثيراً من مشاعري مع نبضات قلبي ودموعي
أما قصة هذه الأقصوصة فهي أنني كنت من المشاركين في منتدى كبير لداعية معروف ، كنت من نجوم المنتدى وكان العرف أن يقوم النجوم بكتابة مواضيع خاصة في شهر رمضان
كتبت في إحدى الرمضانيات قصة أحمد في جنين وفِي رمضان تال فكرت أن أفعل كما فعل الكاتب المشهور نجيب الكيلاني الذي كتب قصة "عمر يظهر في القدس " والحقيقة أن هذه القصة التي قرأتها في طفولتي لم تعجبني رغم أن فكرتها مبتكرة فشخصية عملاق كعمر ابن الخطاب أكبر بكثير من الأحداث

فكرت من سيقبل الحضور  لرؤيتنا في بلدة صغيرة لا قيمة لها في فرنسا،،، لم أَجِد من يتناسب مع مطلبي بين كل الشخصيات العظيمة أو المشهورة ، فبحثت عن رجل مميز ، ذو فكر واضح ونظرة ثاقبة وتعبير جلي وسيرة معروفة ، ليس ممن كان فاعلاً في تغيير الأحداث ولا يحمل بطولات ولا إنجازات ولكنه مشهور بمقدرته على المرور بالمجتمعات الغربية وتحليل ما يمر بأهلها وعرضه بشكل منطقي مفيد رحالة لا يهاب الانتقال في عرض البحر والأرض ولَم لا يكون قادراً على الانتقال بين العصور كانتقاله بين البلاد!!!...
كان مطلبي هذا يحيرني
لم أبدأ موضوعي المميز في المنتدى كما وعدت الآلاف ممن كان ينتظر في بداية رمضان وبقيت حائراً حتى بدأ الشهر !!
عندها وكأن الله استجاب لمطلبي وكأنه أرادني أن أدفع ثمن أمنيتي العجيبة
ودون سابق إنذار ظهر لي ابن جبير ،، هكذا وكأن أمنيتي تجسدت بين لحظة ولحظة ..عشتها وأنا حائر ومازلت على حيرتي
ومازلت أسأل نفسي ،
هل كان ماحصل حلماً أم وهماً ؟ وإذا كان حقيقة فهل هو ابن جبير حقاً ،
والسؤال الذي لم أَجِد له جواباً أبداً......
لماذا أنا ؟؟؟؟
لماذا يظهر لي ابن جبير من بين كل الناس؟؟؟؟؟؟؟؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: (5) الفصل الرابع ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 10:28 am

(5)


اليوم الثالث من رمضان
مضى ومضت معه أيامنا

أعادتني قصة ابن جبير لتلك الأيام وعادت روحي تعيشها وكأنني أجلس بجانبه وكأن وجهه الصبوح أمامي وكلماته القويع في سمعي وشخصيته الآسرة تتملكني
زارني كالطيف فوضع في عمري بصمته التي بقيت ونصائحه التي ترسخت وتفاؤله الذي يسقي جذور اليأس فتزهر أملاً
ابن جبير
وكم نحتاج لزيارة أمثاله فقد ضاعت مشاعلنا بين الطرقات
وضاعت معها الهداية فصار مسيرنا كرجل أعمى لا يدري أين يتخبطمسيرنا كرجل أعمى لا يدري أين يتخبط

ابن جبير الحبيب
اشتقت لك
هل تعود
ليتك تعود

ابن جبير والفصل الرابع

سأسمح لنفسي بالاستعجال ووضع الفصل الرابع فنحن حتى الآن في أول أيام لقائنا وبداية صداقة ستصبح بعد أيام أخوّة ومحبة توثقت أواصرها حتى ربطت بيننا رغم بعد المكان والزمن

أقرؤوا الكلمات
أضيفوا تعليقاتكم
فالرجل لم يزُرنا لنسمع حكاية بل لنزداد من الخير ، ولنستخرج ذلك الخير من نفوسنا ، أتى لنعلم أننا لسنا مفلسين بل نمتلك كنوزاً لو استخدمنا منها القليل لعادت الدنيا حولنا زهوراً كطريق النحل

الفصل الرابع

بعد الإفطار وأول الكلام

ما إن استقر بنا الحال في غرفة الصف وأغلقت الباب خلفي وجلست أمامه حتى بادرني قائلا... حسنا... هذه ليست بلاد الإسلام... نحن في بلد الفرنجة.. فماذا يفعل المسلمون هنا؟؟؟...

ما آخر أخبار الأندلس وغرناطة ... ومكة المكرمة؟؟؟ وبيت المقدس؟؟؟ ودمشق والقاهرة والاسكندرية ؟؟؟ والمغرب؟؟؟ وأمير الموحدين؟؟؟

لا أدري ما الذي دفعني للاستسلام التام لقدري واعتبار الرجل هو ابن جبير حقّاً... جلست وفتحت له قلبي.... وآه من قلبي وأحزانه.. وهل يوجد رجل واحد لا يعرف جروح قلوبنا التي تنزف دون انقطاع.. وهل عربي مسلم في الدنيا إلا وتبكي كلماته قبل عينيه إذا فتح مغاليق الصدور ليجيب على سؤال عن حالنا وحال بلادنا وبيت المقدس والأندلس والغربة والهجرة والهزيمة تلو الهزيمة...

فحدثته عن الأندلس وضياعها فاندفعت الدموع من مقلتيه لا يملك لها إمساكاً وانتقلت لحال الإسلام وتوسع بلاده وانتشاره في كل الدنيا... لكني ما إن وصلت في كلامي لبيت المقدس وما أصابه من أسر حتى ارتفعت شهقات بكاء الرجل حتى خشيت عليه من الموت....

قم يا أخي يا ابن جبير .... قم لصلاة التراويح.... ساعدته على الوقوف وأنا ألوم نفسي على ما ألحقته بالرجل من أذى... ولا أدري لماذا لم أسأله من أين أتى؟؟ وكيف عاد .. وهو الذي نعلم كلنا أنه مات في الاسكندرية...

سبحان الخلاق محيي الموتى.... سأسأل الرجل عن كل هذا غداً إن أحيانا الله...

صلينا التراويح... ووجدت الرجل بعدها يفترش زاوية خلفية من المسجد ليضع رأسه على قبضته وينام على جنبه الأيمن قرير العين...

وللحديث بقية...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 10:50 am

(6)

الفصل الخامس
الرحيل

ابن جبير الأندلسي.. يعود للظهور...
أحقا هذا أنت يا ابن جبير...

أتمنى أن تصفحوا عني تأخري عليكم بمجريات الأحداث وتطورات الأمور مع ابن جبير... فالحقيقة أنني كنت مشغولاً جداً في اليومين السابقين فلم أتمكن من الجلوس والكتابة إلا دقائق معدودة...

أين كنا؟؟؟؟؟
آه تذكرت..... نام ابن جبير يا إخوتي ليلته تلك قرير العين هنيّ البال... أما أنا فلم أكد أنام من القلق والذعر معا...

قلقي على أن يصيب هذا الرجل مكره... فلو عثرت عليه الشرطة لاتهمته أنه مهاجر غير شرعي خاصة أنه لا يملك الأوراق وبطاقة الإقامة

المهم بقيت أتقلب في فراشي حتى السحر... وكيف لي أن أنام والرجل ربما كان بكل بساطة مريضاً نفسياً وكان من الواجب عليّ أن أهتم بصحته بدلاً من تركه بين يدي المغرضين والهازئين...

ما كدت أصلي الفجر حتى نمت كالقتيل حتى الثامنة والنصف... حيث عدت لطاحونة عملي الذي لا ينتهي... ثم سفري لباريس طوال اليوم...

ونسيت في خضم السير على الطريق السريع... نسيت ابن جبير وكل مشكلته......

غبت عن المدينة يوما ونصف اليوم.. كانا ممتلئين بالعمل والجري والسعي رغم أنهما كانا يومي السبت والأحد... ولكنني كنت أنتقل فيهما بين المترو إلى السيارة إلى مدينة بوبيني إلى كليشي.. إلى روي مالميزون... وكلها مدن صغيرة تحيط بباريس ولا تعني لأحد شيئا..

عدت لبيتي إذن مساء الأحد قبل المغرب بلحظات.... وما كدت أدخل المدينة حتى شعرت أن قلبي قفز من مكانه... فقد تذكرت فجأة ابن جبير... يا خيبتي.... كيف نسيته يوما ونصف يوم كاملين؟؟؟ وماذا لو أصابه مكروه... كتمت ما في نفسي حتى لا تنفجر زوجتي في وجهي كما فعلت أول مرة أخبرتها بوجود هذا الرجل... فقد ضحكت ملء شدقيها سروراً بقصتي؟؟؟؟ أم هزءاً بي ؟؟؟؟ لا يعلم هذا إلا الله....

تناولت الإفطار متصنعاً الهدوء وتمالكت أعصابي وأنا أنتظر لحظة عدم الانتباه لي كي أذهب للمسجد... وأين لي الهواء النقي إلا في بيتي أو المسجد فأنا في فرنسا لا أستنشق إلا الهواء الملوث حتى إذا عدت لبيتي استنشقت هواء بلدي... وحتى إذا ذهبت للمسجد استنشقت هواء بيت الله...

ذهبت للمسجد قبل التراويح...
الكل يعمل في رفع الأطباق وتنظيف آثار الإفطار الجماعي للطلبة في مدينتنا..
بحثت عنه فلم أجده... توجهت ملهوفا للحاج محمد خادم المسجد الذي ما إن رآني حتى استقبلني ببشاشته المعهودة وقال لي: أخ صالح... الرجل الذي أتى منذ يومين ذهب هذا الصباح وترك لك رسالة...

ومد يده بلفافة من الورق...

تناولتها بشغف بالغ وفتحتها ونبضات قلبي أسمعها في إذني.... تصوروا:... سأقرأ كلمات ابن جبير التي كتبها لي....

فتحت اللفافة فوجدت فيها رسالة على طول الصفحة مكتوبة بالخط الكوفي الجميل.....
وهاك نص الرسالة بلا زيادة ولا نقصان:.......

من الفقير لله .. عبد الله ابن جبير الأندلسي الغرناطي ..
إلى أخيه الصالح العربي فرنجي الإقامة دمشقي المولد... الطبيب العامل لدين الله ودعوته....
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الفصل السادس

رسالة ابن جبير

((((من الفقير لله .. عبد الله ابن جبير الأندلسي الغرناطي ..

إلى أخيه الصالح العربي فرنجي الإقامة دمشقي المولد... الطبيب العامل لدين الله ودعوته....

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أما بعد
فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو على ما أنعم عليّ واستجاب لدعائي وما أعطاني من أفضال وأرزاق...
وأشكره على نعمة الإسلام التي حفظها من الضياع قروناً عديدة..

أخي
أما كيف أتيتكم .. فسبحان من يستجيب الدعاء ويعطي دون حدود...
أنا يا أخي كنت منذ أيام في بلادك... في دمشق الشام.. في رحلتي الثانية لزيارة المشرق من بلاد المسلمين... أنعُمُ بنصر الله على الصليبيين وأتفيأ ظلال بساتين النيربين على ربوة جميلة بعيدة عن دمشق، من ناحيتها الغربية حيث يوجد القصر الأبلق الذي بناه الخليفة الرشيد ليكون منتزها لأهل دمشق... كنت أستظل بأغصان خمائل و أشجار الغوطة وآكل من ثمرات تينة كبيرة تنعم بالراحة وسط شجر الزيتون...

صليت ركعتين وجلست أتفكر بما رأيت من بلدان..

تذكرت محنة بلدي الأندلس وضياع قرطبة الحبيبة... وما دب بين الأمراء من تفرق أكاد أرى الخسارة من بعده... وأتفكر بهذا التقي الشيخ الورع العفيف صلاح الدين يوسف ونصره المؤزر على كلاب الفرنجة... وتساءلت عما ستؤول إليه الأمة بعد قرون؟؟؟؟

ثم مرّ بخاطري أن أدعو الله أن يريني بلاد الإسلام وما ستكون عليه في آتي الزمان..

ظننت أنني سأراها في حلم يكرمني الله به..
لكنني نمت لأستيقظ في حديقة كبيرة ممتدة ممتلئة بالعشب الأخضر المقطوع بعناية عجيبة، حديقة مستطيلة الشكل غريبة مسطحة حتى تكاد لا ترى فيها بروزا.. وعلى جانبيها وفي وسطها خطوط بيضاء تحدد لها حدودا وترسم عليها دوائر ومربعات.. وفي كل طرف منها عوارض خشبية تغطيها الشباك.. ولا أدري أهي لصيد الطيور أم لالتقاط الثعالب...
قمت ومشيت مع الفجر حتى وجدت مكانا فيه حوض ممتلئ بالماء فتوضأت فصليت الصبح ثم خرجت أبحث عن أحد ما فوضعك الله في طريقي بعد أن كدت أيأس من اللقاء بمن أتوسم فيه الخير..

ظننت يا أخي الصالح أن الأمر لا يعدو حلما أو رؤيا... لكن مرور الأيام يزيدني ثقة أنه دعائي الذي استجابه الله لحكمة لا يعلمها إلا هو...

تفكرت البارحة في حالكم... وفي حال بلدي التي لم أكد أتركها حتى عرفت منكم أنها ضاعت منذ ستة قرون...

ثم نظرت. فوجدتني دوما رحّالة.. لا أستقر في مكان ولا أثبت على موضع... فعقدت العزم وتزودت بما جاد به عليّ أخوكم محمد المغربي خادم مسجدكم من طعام لأفطر به عند المغرب وخرجت أغد السير...

سأجوب بلادكم لأرى كيف هي...
ثم سأحمد الله على زمني الذي خلقني له... وعلى زمنكم الذي أراد أن يطلعني عليه..

لا تخش عليّ يا أخي.
فقد فهمت الكثير من الأمور... وسأجد دوما طريقة أرسل لك فيها أخباري أولا بأول....

والسلام عليكم ورحمة الله...

أخوك العبد الفقير
ابن جبير الأندلسي... المنفي إلى بلاد ليست بلاده وإلى زمان ليس زمانه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 10:51 am

(7)

الفصل السابع

العودة

أعود لابن جبير....

أين وصلنا؟؟؟؟؟

آآآآآه نعم...
ذهب ابن جبير........:
لم أحتمل هذا أبداً... ولأول مرة منذ أن بدأت قصتي معه قررت التفكير بعقل وروية عملاً بنصيحة بعض الإخوة الذين أخبرتهم الأمر.
جلست جانبا وفكرت... ... أين سيذهب؟؟؟
لا يملك القدرة على قيادة السيارة ...
لا يملك القدرة على الكلام بالفرنسية.....
ليس له إلا قدماه يمشي بهما....

أين سيتجه؟؟؟

نحو الجنوب طبعاً لأنه سيقترب من الأندلس...:
ركبت سيارتي واتجهت لطريق السفر إلى الجنوب... ومشيت متمهلاً بين الشوارع المتفرعة منه....

وما كدت أخرج من المدينة بضع مئات من الأمتار حتى لاح لي شخص في حقل على جانب الطريق... توقفت جانباً وأسرعت إليه... وما خاب ظني...
هو ابن جبير

أخذته بين ذراعي وقبلت رأسه وأنا أصرخ...: أخي وسيدي ابن جبير... أين أنت... لماذا تركتنا.

نظر لي الرجل باشّاً وقال... أخي الصالح..... السلام عليكم... لقد تركت لك رسالة... أما قرأتها؟؟؟؟

أخذت بيده وأنا أتبسط بالكلام معه وذهبت به للسيارة وهو يحاول أن يتمنع...
ركب معي ... فالتفت إليه قائلا:
اسمع يا سيدي....

تريد أن ترى بلادنا؟؟؟
حسن سأدبر الأمر...
تريد أن تجوب قارة أوروبا؟؟؟
حسن سأتدبر الأمر...
تريد أن تتعرف على بلاد المسلمين؟؟؟؟
حسن سأخبرك بكل شيء....

لكننا يجب أن نتفق على بعض أمور أولاً

يجب أن تخلع رداءك الأندلسي وعمامتك العربية الكبيرة... سأعطيك رداءاً مغربيا وطاقيةً بيضاء تغطي بها رأسك...

ابتسم ضاحكا وقال... حسن يا أخي.. فهمت ... تريد أن يكون وجودي غير ملفت للنظر وغير مُجلب للمشاكل.... فقد جُبْتُ البلاد ورأيت أن ملابس الناس تختلف... ولطالما بدلت ملابسي حسب البلد... وطالما أن الرداء الذي سأرتديه هنا يطابق لباس بلد مسلم عربي فلا بأس.. وهل هناك أمر آخر؟؟؟

قلت له نعم... وجودك لن يعلم به أحد غيري .... أرجوك أن لا تذكر أنك ابن جبير لأهل المسجد وقل لهم أنك عربي من أبناء الأندلس ولا تزيد... وسأجيبك على كل أسئلتك.. كما سأخبر بعض الناس فقط بحقيقة شخصيتك...
وسنجلس كل يوم كي نقرر ماذا نفعل في اليوم التالي

قال لي: وأنا موافق يا أخي الصالح... سأفعل وأتوكل على الحي القيوم...

لكن لي سؤال : قلت لي أنني أستطيع زيارة بلاد الفرنجة كاملة ولكنك توقفت عندما ذكرت لي البلاد المسلمة و العربية؟؟؟؟؟؟؟

أصابني الرجل في قلبي بسهم صائب وفتح جرحي القديم.... آآآه يا ابن جبير.... نستطيع أن نجوب أوربا كما نشاء .. لكن المرور من بلد إسلامي لآخر هو أمر من أصعب الأمور وأعقدها... وسأخبرك بالتفصيلات بإذن الله

وافق ابن جبير على تأجيل الحديث في هذا الموضوع على مضض فاتجهت به عائداً للمسجد... فقد صلى المغرب في العراء والدنيا برد..... ولقيمات الخبز التي أكلها على الإفطار لا تقوت طفلاً

عدت به للمسجد .. وضعت له صحناً من الحساء الحار وجلست أنادمه ريثما تُقام صلاة العشاء.

أكل لقيمات ثم حمد الله...
نظر في عيوني ملياً ثم قال: اسمع يا أخي الصالح... علمت منكم أنني سأموت في الاسكندرية... هذا يعني أنني عائد إلى زمني بإذن الله... وأن إقامتي في هذا المنفى مؤقتة بعلم رب العباد الذي أتى بي إلى هنا.. أنا يا أخي مثل الذين شردهم ظلم حاكم أو تسلط غاصب... فهم يخرجون من بلادهم لبلاد أخرى كأنهم غادروا زمنهم مع وطنهم... ولي أسوة بإخوتي... وقد تنقلت قديماً لكنني لم أكن يوما إلّا في بلاد المسلمين... ويبدو أن الله كتب علي أن أذوق ما يذوق الناس بعد زمني بقرون....سأصبر إذن يا أخي... وسأحاول أن أرى معك كيف هو زمانكم... وسأروي لك ما عشته في زمني... لعل الله يجعل في لقيانا الفائدة والخير...

استقر ابن جبير إذن بعد أيام من ظهوره...

ووجدت نفسي مسؤولا عن مشروعه المعرفي في اكتشاف أحوالنا ومسؤولاً عن الاستفادة من آرائه ونصحه قدر الإمكان... فالرجل مُحِقّ.. ولبثه بيننا مؤقت... ولا يعلم متى سيغادرنا ليعود لزمنه إلا الخالق الجبار...

وللحديث بقية....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 10:52 am

(Cool

ابن جبير

الفصل الثامن

أولى الحقائق

رمضان والطاعات

أعود لأروي لكم قصتي مع ابن جبير...

القصة يا إخوتي تعقدت قليلا البارحة.. . فقد علم رئيس جمعيتنا في المسجد الأخ أحمد بوجود شخص غريب في المسجد .. الأخ أحمد هو شاب واعٍ مثقف من أصل مغربي... يصغرني ببضع سنين وهو مهندس تنفيذ مشروعات إعمارية.... وقد استطاع بعمله وإخلاصه أن يكتسب ثقة الناس فانتخبوه رئيسا للجمعية... وهو شاب همام عامل في سبيل الله قوي الشخصية شديد في الحق لين العريكة مع المسلمين...

وأنا وأحمد أخوين في الله وبيننا الثقة لا حدود لها خاصة أنني سكرتير الجمعية...

أتى أحمد و سألني عن حقيقة الأمر فأخبرته أن الموضوع مجرد حكاية وواريت في كلامي حتى لا أكذب .. وقد رضي الأخ أحمد بما قلته وقنع به وقال لي مازحا: تقول أن ابن جبير يرتدي فوقية المغاربة... حسنا سأنادي في صلاة الجمعة بأعلى صوتي على ابن جبير... وسنرى إن كان سيرد أم لا

ضحكت له بتحبب ولسان قلبي يتمنى ألّا يفعل هذا ولا يبحث عن ابن جبير فأنا أنوي أن أطلع أحمد على حقيقة الأمر لكن عندما يأتي الوقت المناسب...

أعود لابن جبير...

فقد كنت قد قررت أن أقوم بتنظيم جدول زمني لتنقلاته في أرجاء فرنسا وأوروبا... ليعلم الأمور على حقيقتها فقد قررت أن لا أخفي عنه شيئا . بدءاً بوضع المسلمين في هذه البلاد إلى وضع المسلمين في بقاع الأرض وإلى أي ذل وهوان وصلنا ولا حول ولا قوة إلا بالله...

والحقيقة فأنا لي بعض الأصدقاء في بلجيكا واسبانيا وألمانيا والدنمرك... ربما أبدأ بهم خاصة أن التنقل بين هذه البلاد لا يحتاج لاجتياز حدود ... والله وحده الستار... وسنرى بعدها... ربما نحاول أن نسوّي وضعه القانوني؟؟؟ فيستطيع الذهاب للمغرب أو لدمشق أو القاهرة... فهذا الرجل لا يعرف إلا الترحال... وبترحاله سنستفيد وسنتعلم منه الكثير...

خرجت بعد الصلاة فوجدته ينتظرني أمام المسجد ...

أخي صالح... هل فكرت بما يجب أن أفعله...

نعم يا سيدي يا ابن جبير... سترى أن رمضان عندنا يختلف عن رمضان في أيامكم..

الحمد لله أنك بدأت أول أيامه في المسجد فلم ترَ المصائب التي تحصل في منازل المسلمين...

قال لي: الحقيقة أن درس إمامكم قبل صلاة التراويح جيد ومفيد ... فهل يأتي كل أهل المدينة من المسلمين؟؟؟ لقد عددت حوالي مئتي رجل؟؟
آآآآه يا ابن جبير.... لو تعلم أين الرجال... إنهم يا أخي حتى بعض الصائمين منهم في بيوتهم .. لا يستطيعون الحراك بعد الطعام فرمضان عندهم هو الطعام ثم الخمول طوال الليل ،،، . فتفوتهم صلاة التراويح ويبقون في البيت... أما النهار فهو التفكير بالطعام والتكاسل عن كل عمل متعلليل بالصيام

وماذا يفعلون في البيت ؟؟ ينامون باكراً؟؟؟ وإن كانوا كذلك فلماذا لا أكاد أرى خمسين رجلا في المسجد صلاة الصبح...

حسن يا ابن جبير فقد وعدتك بالحقيقة... والحقيقة يا أخي أن الكثيرين يسهرون على التلفاز لمشاهدة التمثيليات والأغاني.. فرمضان فقد عند الكثيرين غايته الروحية في العبادة أو التزكية وصارت لياليه للترفيه والسهر واللهو

أعوذ بالله... أجابني ابن جبير... ما هذا؟؟؟ مغنيات في البيوت ؟؟ وفسق ومجون في خلوات النساء وأخدارهنّ ؟؟؟ وكيف يدخل الغرباء إلى بيوت الناس في الليل وكيف يحصل هذا ؟؟؟ هل مات رجالكم ؟؟

لا يا أخي... التلفزة هي أجهزة جديدة تستقبل خيال الإنسان الذي ترسله آلات أخرى عبر الهواء دون أن نراه فترسمه لنا على لوحة زجاجية فنرى الخيال والصورة القادمة من بعيد في وقتها نفسه دون تأخير...

تفتحت عيني الشيخ عجباً وقال...

كيف للناس يا أخي أن يستخدموا علماً كهذا في نقل خيال اللهو والتخريب والإفساد والغناء والفسق وإضاعة الوقت بدلاً من نقل صورة وخيال أهل العلم والعطاء والكرم والتقوى وما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم ؟؟

لا حول ولا قوة إلا بالله...
أين علماؤكم وحكماؤكم وعقلاؤكم يا أخي وأين تربيتهم للناس و للمسلمين وتعليمهم للتقوى والخير والأدب والفائدة والورع....

أسكتتني كلمات الرجل الصادقة وأدهشتني قدرته على الاستيعاب وفهم أمور ليست عنده منها أي فكرة... بقيت صامتا خجلا من تهاون المسلمين .. هذا التهاون الذي لم يستطيعوا التخلص منه حتى في رمضان.....

......
وللحديث بقية....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 10:53 am

(9)

الفصل التاسع

دعوة الإفطار

أتابع قصتي مع ابن جبير...

الحقيقة أنني أشعر بتغير كبير منذ أن التقيت بهذا الرجل...

أشعر أنني أعيش مع التاريخ.. أعيش مع أجدادنا..:

تصوروا أنه أخبرني البارحة أن أصله من كنانة أي من أبناء معد بن عدنان... وكاد يسرد عليّ قصة قدوم جدوده إلى الأندلس وكيف استقروا في اشبيلية وغرناطة.... وكيف آل به الأمر إلى أمراء الموحدين..

آه... مرة أخرى بدأت أتكلم بشكل عشوائي..:. وبدأت أسرد نِتَفا من مجريات الأمور ... و ليس هذا ما أريد... أخذني الحال.....

أعود إذن لأسرد يومي مع ابن جبير....

قلت أنني قررت أن أبدأ معه من أقرب زمان ومكان... يعني من مدينتي ومن واقع شهر رمضان... ولن يهمني مهما صدمت الرجل بالوقائع والكوارث...

قلت له أن ينام في المسجد كالعادة... والحمد لله أن خادم المسجد ظنه أحد أفراد جماعة التبليغ والدعوة الذين يجوبون المساجد وينامون فيها... ومساجد أوربا مفتوحة لهم في أي وقت وكذلك مسجدنا...

سألني : وأين سنذهب غدا يا صالح؟؟؟؟ أين متجرك وعملك...
ابتسمت للرجل وقلت له أنني طبيب ولا أملك متجراً

ماذا ؟؟ طبيب؟؟؟ وأين سلة العقاقير؟؟؟؟ وأين حقيبة الأعشاب الطبية؟؟؟ وكيف تتجول بين الناس بزيك العادي؟؟؟
لا بد أنك درست الطب في غرناطة على يد طبيبها المشهور أبي إسحاق المغربي ؟؟؟

يا أخي يا ابن جبير... الطب الآن اختلف... نحن لا نحمل سلة عقاقير ولا نتعامل مع العطار كالسابق... نحن نفحص المرضى بأجهزة متطورة ونحاول اكتشاف المرض ثم نرسل المريض للصيدليات ليشتري دواءه أو ندخله المشفى للعلاج وغيره...

هزّ رأسه دون تعقيب فيبدو أنه لا يريد أن يخوض في أمور الطب...
على كل حال ..

قبل أن أودع ابن جبير وأذهب لأنام استوقفني أخ في الله ودعاني للإفطار عنده في اليوم التالي.. اعتذرت وتعللت... لكنه أصر .. وفجأة قاطعنا ابن جبير باستغراب: كيف ترفض دعوة أخيك يا صالح؟؟؟؟ احمد الله أن الأمر لم يحصل معي... والله لقد غضبت غضباً شديداً من القاضي أبي محمد المالكي عندما رفض دعوتي في رمضان الماضي وكدت ألا أدخل بيته لولا أن أصلح بيننا صاحب شرطة اشبيلية....

نظر صديقي إلى ابن جبير وضحك من قلبه بسرور بالغ وقال لي : أترى يا صالح .. حتى صديقك يوافق على حضورك عندي .. وهو طبعا مدعو معك.
هيا.. أنا بانتظاركم على الإفطار غداً.... لا تتأخروا...
غادرنا الصديق وقد عقدت الدهشة لساني...

يا سيدي يا ابن جبير.... قلت لك أن تخفي شخصيتك.. أنت اسمك من الآن جابر.... وأرجوك لا تتكلم أمام أحد لا عن غرناطة ولا اشبيلية ولا الأندلس ... أرجوك...

ابتسم ابن جبير وربّت على كتفي كأخ أكبر وقال... لا عليك يا أخي... لن ينالني أي مكروه من أحد إن شاء الله....
.....
وللكلام بقية......

الفصل العاشر
التبرعات لفلسطين

الحقيقة أنه كان من المفروض أن يكون يومي هذا في منتهى الانشغال لأنه يوم العيادة بالنسبة لي... وكل مريض يأخذ حوالي نصف ساعة فأرى عشرين مريضاً وسطياً... لكن اليوم غاب خمسة مرضى فوجدت بعض الثغرات الفارغة في برنامج المواعيد مما مكنني من متابعة كتابة أخبار ابن جبير...

منذ أن ظهر ابن جبير وضعت في حسابي أنني يجب أن أستخرج سيرة هذا الرجل... فمعلوماتي عنه قليلة جدا... ولولا أنني من هواة التاريخ ولازال في ذهني بعض أسماء أعلامنا لما عرفته عند أول مقابلة و لربما سألته كالأبله من يكون؟؟ خاصة أنه من الممكن أن نخطئ بينه وبين التابعي سعيد ابن جبير الذي قتله الحجاج والسابق لابن جبير الأندلسي بخمسة قرون عداكم أن سعيد بن جبير هو من أهل المدينة و صاحبنا ابن جبير من أهل الأندلس... أو الصحابي الشهيد عبد الله ابن جبير أمير الرماة الذي رفض معصية أمر رسول الله وبقي فوق الجبل فكان أول الشهداء في أحُد..

عدت إذن أحاول أن استخرج سيرة الرجل...
ومن أين لي بسيرته؟؟
بحثت في الموسوعة العربية التي تصدرها هيئة الموسوعة في دمشق فوجدتهم قد وضعوا عنه بعض الصفحة... لا تسمن ولا تغني من جوع...

ذهبت للنت.. وجدت عنه بضع ملخصات على إسلام أون لاين وغيرها...

ولكنها كلها قليلة لا تفي الرجل حقه..
والأهم أنه وبما أنني سأعايش الرجل لمدة لا يعلم أمدها إلا الله ، أحتاج أن أعرف دقائق حياته..

أصبح همي الأول أن أجد كتاب الرحلة الشهيرة التي قام بها... فقد دوّن رحلته وكتب انطباعاته فيها... وسيساعدني هذا الكتاب على التعرف عليه أكثر ، فأستطيع أن أتحادث معه دون هذا الحاجز الذي يرزخ فوق صدري من الشعور بالجهل بأعلام تاريخنا...

بحثت عن الكتاب حتى وجدته في إحدى مكتبات باريس وصاحبها صديق قديم لي فطلبت منه أن يحجز لي الكتاب بضعة أيام أو يرسله لي بالبريد تعجب صديقي من استعجالي للكتاب لكنه احترم صمتي ولم يصر على معرفة السبب . بعد يومين وصلني الكتاب فقد أرسله صديقي مشكوراً والبريد في فرنسا مأمون سريع مفيد ...

قرأت الكتاب وهو أول كتاب مضى عليه قرون أقرأه وأعيشه كأنني في عصره.. فكاتبه صديقي أراه كل يوم .. عشت الكتاب كأنني أمسك يد الكاتب.. وكأنني أرى ما يرى وأسمع ما يسمع.. بل أظنني فهمت الكتاب بل وصرت أفهم الكثير مما يقول صاحبي عند اجتماعنا .. أفهم طريقة حياته وتفكيره , أفهم مشاعره وشخصيته.. أفهم سبب تعجبه للأمور أو قبوله للأغرب منها.. بل فهمت أمراً ما فهمناه نحن في جيلنا أبداُ...فهمت نظرته الأبية وعزته الأصيلة نلك التي أدعو الله أن تغرس في نفوس شبابنا فينهضوا بنا وببلادنا نعود خيراً مما كان عليه الأجداد...

على كل حال ...

أين وصلنا؟؟؟؟؟؟

آه تذكرت.... لدعوة صديقي لنا للإفطار...

ويا لها من قصة....... يشيب لها الوِلدان... لكنني سأتركها لما بعد لأنني أريد رواية ما حصل بيننا عند زيارة لجنة المناصرة للشعب الفلسطيني في مسجدنا....

الذي حصل أن لجنة المناصرة "وهي ثاني أكبر جمعية تقوم بجمع المساعدات للشعب الفلسطيني في فرنسا بعد الإغاثة الإسلامية" تجوب المساجد في رمضان... فأهل الخير يزداد سخاؤهم في هذا الشهر.. والأموال تصل إلى الفلسطينيين المحاصرين فتُفرح قلوبهم وتبعد عنهم بعضا من محنتهم...

كلمني بالهاتف منذ عدة أيام الأخ المسؤول عن زيارة المساجد من لجنة المناصرة ولا أدري من أين له رقم هاتفي... وابتدرني مناديا إياي بكنيتي: السلام عليكم يا أبا إياد.. أنا أخوك مبروك من لجنة المناصرة.. متى نستطيع زيارة مسجدكم؟؟؟

وكان أن تكلمت مع الإخوة في الجمعية مباشرة وأعطينا الأخ مبروك حرية اختيار اليوم كما يشاء... فقرر الحضور على صلاة الجمعة..

حضر الأخ مبروك قبل الصلاة بساعة.... أما أنا فكنت ماأزال في عملي .....
أما ابن جبير فكان وحيدا في المسجد فكان أول شخص استقبل الأخ مبروك وتكلم معه....

وصلت للمسجد في بداية الخطبة، وجلست حيث انتهى بي المجلس...
واسترقت النظر من بعيد إلى الجالسين في المقدمة عند المنبر... فلا بد أن مندوب لجنة المناصرة يجلس معهم ... وشخصت عيناي حيث رأيت ابن جبير يجلس بجانبه.. وتسرعت نبضات قلبي حتى كدت أسمع دقاته... وتوكلت على الله... فلا بد أن الرجل قد سمع من مندوب اللجنة من أخبار فلسطين المغتصبة ما تنشلع له القلوب وتنهمر له العيون وتضطرب له النفوس... وقد كنت قد أخبرته كما تعلمون أن القدس قد ضاعت واحتلها أقذر المجرمين على ظهر الأرض ... الصهاينة الملاعين... عندها بكى الرجل حتى خفت أن يصيبه مكروه... خاصة أنه زارها في حياته مرات.. وكتب عنها تفاصيل مستفيضة... عن مسجدها وحجّاجها وعلمائها الذين قدموا من أصقاع الأرض ليجاوروا فيها .. وعايش استرجاعها من قبل الناصر صلاح الدين حتى أنه حدثنا منذ يومين عندما كنا مدعوين للإفطار عن أخبار القدس وفلسطين أيام الملك الناصر...
آآآآه... آسف فقد ابتعدت ثانية عن الموضوع وكدت أروي لكم تفاصيل إفطارنا ذاك وحديثه ليس هنا مكانه بل سيأتي لاحقا بإذن الله....

أعود لخطبة الجمعة... انتصب الإمام واقفا وبدأ ينتفض فيرتجف المنبر من تحته وهو يصرخ فينا: أين الإيمان...؟؟؟ أين ا؟؟... أين الإنفاق..؟؟؟.. أين العمل في سبيل الله... أين الدعوة لله....؟؟... أين حفظ البيوت والنساء والأبناء...
أشعلت كلمات الإمام ما خبا من نار في قلوبنا فكبّرنا وراءه ودمعت عيوننا... وليت المسلمين يعملون في دنياهم بقدر حماسهم واندفاعهم في لحظات الإيمان الصادقة فهم ما يكادون يخرجون من المساجد أوحلقات الذكر حتى تجرفهم الدنيا وينسون هذه النفحات الربانية ويسوقهم حب المال وحب النفس فيفوتهم العمل والعبادات والخير...
صلينا الجمعة... وما إن سلم الإمام حتى وقف أخ لنا وطلب من الجميع البقاء جلوسا لجمع الأموال للمناصرة... ثم أشار لي من بعيد أن أقترب وأتكلم لأشجع الناس على الإنفاق..

أسرعت فأخذت مكبر الصوت ولكن ابن جبير وقف بجانبي و قال لي بلسانه الفصيح: اسمح لي يا أخي الصالح أن أتوجه للناس ببضع كلمات تقوم أنت بترجمتها لمن لا يفقه إلا الفرنجية... ربما أزيد فيهم بعض الاندفاع للإنفاق لحبيبتنا القدس...

لم أدر بنفسي إلا وأنا أقدمه للكلام تحت نظرات الإخوة المتعجّبة فقد تعودوا مني أن أكون أول من يعترض على منح الناس الكلمة دون تحضير مسبق...

استدار ابن جبير باتجاه جموع المصلين وصرخ بصوت جهوري اهتزت له جدران المسجد:
الله أكبر...... الله أكبر..... الله أكبر.......

ردد الجمع تكبيرات ابن جبير وتاقت النفوس لسماع كلماته فرفع يده عاليا مناديا:
يا أحفاد المسلمين الكرماء العزيزين... الله أكبر من المغتصبين... الله أكبر...
الله أكبر من الظالمين..

أتريدون لإخوانكم الظلم والذل بعد الذي أنعم الله عليكم من الخير؟؟؟..

لقد كان إخوانكم يباعون في أسواق العبيد في جزيرة سردينيا وشواطئ الفرنجة بعد أسرهم في عرض البحر فلا يحاول مسلم من الأندلس أن يرسل الأموال لشرائهم وفدائهم ... حتى أصاب الأندلس ما أصاب غيرها من الذل...
الله أكبر....
أتقبلون لإخوانكم الأسر والهوان والتشريد ولأبنائهم اليتم فلا تدفعون دريهمات لمعونتهم ورد حاجتهم.....
الله أكبر....
فكيف تلقون الله وماذا تجيبون رسوله الكريم.....
كان الجميع يردد تكبيرات ابن جبير... الكلّ... من يفهم العربية ومن لا يفهمها...

أما أنا فلا أدري كيف أترجم هذه الكلمات... وأي مكان للترجمة ترك لي هذا العملاق في قوة كلماته التي تتفجر منها الحمم... كلمات ليست بالكثيرة.. لكن الرجل حمل فيها نارا تشتعل وإيمانا يلتهب وقدرة تتأجج ...

أما من فهم الكلام فقد أجهش بالبكاء... أما الذي لم يفهم فقد وجد دموعه تسيل رغما عنه... أما الأموال فقد خرجت من الأكمام... وجمعنا للإخوة في لجنة المناصرة ما فيه البركة والخير الكثير...

أما ابن جبير فقد جلس ودموعه تجري على وجنتيه... جلست بجانبه فهمس في أذني قائلا: والله يا أخي صالح فقد رأيت هؤلاء المسلمين يباعون في أسواق النخاسة بأم عيني في رحلتي الأولى في جزيرة سردينيا.. ولكبار تجار الأندلس تجارات وعلاقات مع تجارها.. ولو أرادوا لفكوا العاني وأطلقوا الأسير... وما ظننت وقتها أن مآل الأندلس للضياع بضياع الإنفاق في سبيل الله وتجاهل أمر أهلها وتحول المقتدرين من أهل السلطة والجاه لمصالحهم الخاصة والحفاظ على ما يمتلكون مهما آلت الأمور للكارثة والظلم والخراب وتجاهل العدل والأخلاق ومحاربة الدين وتخريب المقصود من تعاليمه وجهاده...

لأول مرة منذ أن قابلت ابن جبير شعرت أن في زماننا خير كثير ... وأن زمان ابن جبير رغم وجود صلاح الدين أيامه لم يكن بأفضل مما نحن فيه... بل ربما هيأ الله لنا في هذا الزمن من الإمكانيات ما يجعلنا نسود الدنيا إن أحسنا استغلالها وعرفنا كيف نربي الجيل على الإخلاص والصدق والإسلام ....

آه يا ابن جبير... ليتنا نتعلم منك... فنرى ما ترى ونُسمع كلماتك للأمة بأسرها.. لعل شبيه صلاح الدين يعود فتلده أم من نساء المسلمين كما ولدت أمّ مسلِمة منذ ثمانية قرون طفلاً صغيراً عظيماً اسمه يوسف بن أيوب بن شاذي....
......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 10:54 am

(10)

ابن جبير

الحقيقة أنني رأيت فيه صديقاً مختلفاً، وأنا الذي أدمنت الأصدقاء حتى صرت أعرف مدى علاقتي بكل واحد على حدة ، صرت أضع صديقي في مكانه الذي يشغله، فأرسم خطوط شخصيته وأسلوب التعامل معه دون زيادة ولا إنقاص
والحقيقة أن أصدقائي الكثر ( وكلهم أفضل مني ) يشتركون بمزايا وعيوب تحكمها ظروفنا وتربيتها ومجتمعنا

كنت أظن ابن جبير مثلنا لكنني اكتشفت أنني على خطأ
ليس الرجل كجيلنا ولا صداقته كصداقتنا
ربما بسبب تسفاره ورحلاته
ربنا بسبب حضارة الأندلس الزاهرة في زمنه
ربما بسبب ثقافته الدينية والأخلاقية المختلفة
ربما بسبب كل هذا

كان صديقي
والغريب أن هذه الصداقة تأصلت خلال أيام فالثقة بيننا كانت بلا حدود وصدق الصداقة كان بعيداً عن مجاملاتنا ومطالبنا وتحسساتنا
لم يكن يجاملني أبداً خاصة فيما يتعلق بالمصلحة العامة أو الدين
عاش معنا كما سترون لأسابيع وكان المسجد مسكنه فرأى ما نصنع وما نقول فلم يتوانَ عن تصحيح الخطأ
والأعجب كانت نقاشاتي معه عندما عرضت عليه واقعنا السياسي والاجتماعي وطريقة حياة الشباب والشيوخ والتعليم والمدارس
وجدته يضع اصبعه على الخطأ ويتوقع النتائج

أما الأعجب من كل هذا فكانت مقدرته على الاندماج
لم تبهرْه المظاهر العظيمة التي رآها أبدا ولم تدفعه للانكماش أو التقوقع بل على العكس كلما رأى أمراً استزاد في السؤال عنه وحاول استيعابه وهضم مبادئه بشكل أو بآخر رغم المسافه الكبيره في التقنيات وتطورها لكنني وجدته قادراً على المضي في نفس طريقة التفكير المنطقية العصرية ، كيف لا وحضارتهم هي التي وضعت هذه الطريقة

أما الذي ما توقعته أبداً فهو بقاؤه على نفس درجته من عزة النفس والثقة والهدوء
كالجبل لا تهزه الريح ، يرى ويسمع و يجد طريقة للفهم والاستيعاب لكل ما رآه وسمعه رغم أنها كان بالنسبة له كخرافات الأساطير ، لكنه تعامل مع الأمور لحظة بلحظة ومع الناس وحتى مع الفرنسيين بنفس الثقة والكرامة دون رفض أو ضيق ولا مضايقة أو إزعاج

كل هذه المقدمة الطويلة لأذكر لكم حادثة بسيطة
مسجدنا في حي شعبي في المدينة يكثر في المهاجرون الأجانب وأغلبهم مسلمون لكن أهل الحي بغالبيتهم فرنسييون من الطبقة المتواضعة وهؤلاء سريعوا الغضب لا يحتملون المسلمين
ونحن في رمضان نصلي التراويح فنبقي شهراً كاملاً نحيي الليل ، وجيران المسجد يتضايقون من ضجيجنا واجتماعنا ليلاَ أمام باب المسجد
وحدث أن تضايق أحد الجيران فأتى في اليوم التالي ليقابل المسؤول ويشتكي له ضجيجنا
اجتمعنا في ذاك اليوم لنرى ماذا نفعل
ولا أخفيكم أننا لا نتوقف عن طلب الهدوء من الناس وأبنائهم واحترام جيران المسجد دون جدوى

بعضنا اقترح منع الوقوف أمام المسجد والبعض رفض الاهتمام وقال أن الوقوف من حق الناس وليس علينا شيئ والبعض الآخر اقترح تسريع الصلاة لتبكير انتهائها

المهم عندما رأى ابن جبير ما نحن فيه طلب الإذن بالكلام ، وهذا من محاسن أهل مدينتنا أنهم يُشركون المتواجدين في المسجد في اجتماعاتنا

قال لماذا لا تفعلون كأجدادكم
وماذا كان يفعل أجدادنا يا سيدي ابن جبير
قال كانت الصلاة عندهم عبادة فعلاً وقيام الليل عبادة ولم تكن التراويح عادة فحسب
كانوا لا يسعون حتماً لإتمام جزء كامل في الليلة ، فقد يعود أغلبهم لإتمام ركعات في بيته بعد المسجد
لكن الأهم هو أن صيامهم يختلط بكل شيء مفيد وليس فقط التراويح

في الأندلس كان المسلمون يعيشون مع النصارى واليهود بلا تفريق ، وكان كل منهم يسعى لاحترام الآخر فصحاف الطعام كانت تدور في رمضان على الجيران حتى غير المسلمين منهم

لمَ لا تدعون الجيران لمأدبة تكرمونهم بها وتكسبون ودهم
الحقيقة أن هذه الفكرة لم تخطر ببال أحد فليس من العرف أن يقوم المسجد بمأدبة يدعو لها غير المسلمين

أعجبتنا الفكرة فوضعنا وريقات دعوة لغداء عام لجميع الجيران بعد العيد بأيام فصارت حديث الجيران وصار واحدهم يلقي التحية علينا بابتسامة واسعة بانتظار الغداء المأمول
ولم نخلف الوعد فيوم العيد أعددنا أطباق الحلويات وقمنا بتوزيعها على مئات البيوت في الحي وبعد العيد بأيام كانت دعوة الغداء وقامت بعض نسائنا بإعداد الكسكس الشهي مع اللحم والخضار وحضر يومها أكثر من مئة ضيف وأمضينا ساعات سعيدة لا تُنسى
ليتنا أبقينا ثقافة أجدادنا في استيعاب الغريب وقبوله مع الاحتفاظ بعزتنا دون استكبار ولا انكماش وليت الأجيال التي تعيش في الغرب تتعامل مع غير المسلمين بأمانة وكرم واحترام وإخلاص
ليتنا بقينا كما كنتم يا ابن جبير
ليتنا فعلنا

وللحديث بقية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 10:55 am

الفصل الحادي عشر

الإفطار

خرجت من عملي يوم الخميس الماضي وأسرعت للمسجد... فلم يبق على الأذان إلا أقل من ساعة... وقد وعدت ابن جبير أن آخذه لنذهب سوية لتلبية دعوة صديقي..

وجدته يقرأ القرآن في زاوية من زوايا المسجد... وما إن رآني حتى وقف هاشا لمقدمي ومرحبا بي...

أي حظ أكرمني الله به أن جعلني أقرب شخص لابن جبير في رحلة الزمن هذه... أتكلم معه وأسير معه وأتعلم منه وأسمع...

روى لي مرة أحداث عاصفة مروعة في عرض البحر قبالة شواطيء صقلية كاد مركبهم يغرق فيها.. وبقوا ثمانية أيام والمركب يتأرجح فيهم يميناً وشمالاً وقد عاينوا الموت ووثقوا من وقوعه.. . روى لي هذا عندما أخبرته كيف ذهبت للحج منذ ثلاثة أعوام بالطائرة لنصل لجدة بعد بضع ساعات.. وهو الذي بقي أكثر من سنة في رحلة لا نهاية لها حتى وصل لمكة لأداء فريضة الحج والزيارة...

الحقيقة أنني كلما جالست هذا الرجل ورغم شعوري بالخجل والعار أمامه للذل الذي نقبع فيه بالمقارنة مع حال الدولة الإسلامية أيامه ، إلا أنني أزداد يقينا أن الامكانيات والنِّعم التي أعطاها لنا الله في عصرنا ، نستطيع إن أحسنّا استغلالها أن نحقق ما لم يستطِع المسلمون تحقيقه سابقاً..

أعود بكم لدعوة الإفطار

الأخ الذي دعانا هو أخ مغربي في الخمسينات من عمره... أتى لفرنسا منذ أكثر من عشرين سنة لطلب الرزق وهو رجل واعٍ ملتزم يحافظ على دينه ويهتم بتربية أولاده..

استقبلنا الأخ بالترحيب المعتاد.. دخلنا قاعة الجلوس فوجدنا بعض الإخوة الآخرين... وأنا أعرفهم كلهم طبعا... وجلسنا نتكلم..
سأل أحدهم:" كيف حالك يا حاج جابر وكم ستبقى عندنا في المدينة."... رأيت نظرة حسرة في عين ابن جبير وهو يسمع هذه الكلمات .. فالرجل صبور... ولكن لا بد أنه بدأ يأسى على فقد أرضه وزمنه وبلاده... وذكر إقامته عندنا سيحزنه حتما...
أجاب ابن جبير بهدوء: الحمد لله... أما مدة إقامتي فهي بيد من أحضرني فهو المسؤول عن هذا ولا أملك لها تغييراً..

....

وللحديث بقية....

السلام عليكم ورحمة الله....

أعتذر يا إخوتي على التأخير الشديد في سرد الأحداث التي تجري معي ومع ابن جبير... فأنا مشغول للغاية... بين المشفى والمسجد والبيت وابن جبير لا أكاد أجد الوقت للجلوس وإخباركم بآخر التطورات... ولازلت في دعوة الإفطار التي مضى عليها أسبوع... فأين مني إخباركم بكل ما رواه لي عن رحلته إلى الأندلس... وما أضحكني منها وما أبكاني... ويا لك يا ابن جبير من رجل أديب فيلسوف مؤمن صادق القلب وصائب النظرة... وليتك تبقى في رحلتك هذه فلا تغادرنا أبدا..

أما أمر غربة ابن جبير ،فأعتقد أن ترحاله القديم خفف عنه غربته الحالية... نحن دائما في غربة... عدا عن الغربة التي تتراكم على الإنسان... فهل خروجه من رحم أمه إلى الدنيا إلا بداية مشوار الغربة الذي ينفث في قلبه الوحشة فيُبكيه مع أول أنفاسه في الحياة الدنيا... وهل ترحاله من البيت للمدرسة إلا بداية الغربة للطفل... يعتاد على الجدران والأصوات والصور والنظام ليجد نفسه قد انسلخ عن هذا كله لنظام جديد وجدران وصور وأشخاص وكلمات... كلها جديدة عليه وغريبة عن قلبه... ثم غربة الدراسة وغربة الخروج من البيت لبناء بيت جديد وعادات جديدة وأشخاص جدد...

ثم أليست حياتنا تقلّبات من الغربة المتلاحقة... من مكان لآخر... وهل منا من لم يغير مكان إقامته من حي لآخر أو عمله من مكتب لآخر... ومن صديق لآخر ومن رفيق لآخر..... وكلها غربة تتبعها غربة... ثم الغربة الكبرى التي يستشعرها المسلم في حياته كل يوم بين العاصين أو المتخاذلين أو المنافقين أو المحاربين للإسلام....

من فضل الله علينا أن وضع لنا في كل لحظات غربتنا المكان الذي نلجأ إليه فلا غربة فيه أبدا... مكان نجده في أي موضع فالأرض كلها مسجد وطهور.... حتى إذا وقف العبد بين يدي ربه يناجيه مرات خمساً في اليوم أحس أنه عاد لبيته واجتمع بأهله وخاصته يكلم أقرب الأحباب إلى قلبه... ويناجي من لا ينساه ولا يقلوه... فلا غربة ولا حَزَن...

وكم شعرت بالغربة القاتلة عندما رأيت نفسي في المسجد الذي أتنسم فيه أنقى ذرات الهواء فأجد أن من ظننتهم أعمدة المسجد وأساتذة الدين يميلون لهوى أو ينحرفون في تصرف فيبتعدون من العدل إلى الظلم ومن النقاء والصفاء إلى العكر والأهواء... تلك غربة يا أخوتي كانت دوما أقسى من غربتي عندما غادرت بلدي لأرى نفسي في بلاد أخرى... غربة المسلم بين إخوته المسلمين هي الأقسى ... وطعمها أمرّ من العلقم...

ابن جبير أمضى حياته في غربة متواصلة... يتنقل من مدينة لمدينة.. فيرى أناساً جدداً... ويعاشر أقواماً مختلفين ويواجه عادات مختلفة فيفاجأ بالانحرافات والمصائب التي ما ظن يوماً أن تصدر من مسلم... حتى صارت رحلته عبر الزمن حادثة تمر فلا يُصدم لها ولا يضطرب... لا لكل التغييرات التي شاهدها دفعة واحدة ولا للمصائب التاريخية التي سمعها مرة واحدة... ولا للوجوه ولا للأماكن ولا للجدران والبيوت ... ابن جبير يعلم أنه يقف ليناجي الخالق كل يوم فيرتبط ثانية بالحبل المتين الذي لا غربة فيه ولا وحشة...

تلك حال المسلم.... وابن جبير مسلم درس سيرة نبيه فوعاها... فصار أقوى من أن يتأثر بالغربة ... ولم تتبدل رغم الغربة الشديدة التي يمر بها لا نظرته الثاقبة ولا قدرته على الفهم ولا وعيه لدقائق الأمور حيث يرى الصالح فيشير إليه وينتبه للطالح فيحذّر منه....

اقترب موعد الإفطار وكان بعض الإخوة يتكلمون بما يشغل الناس من أمور الدنيا وأخبارها.... وكانت كلمات ابن جبير رادّا على سؤال إقامته معنا وسيلته التي استغلها ليشد إليه القلوب ويجمع حوله العقول فابتدرنا منبها لنا أن موعد الإفطار قد اقترب... وهو وقت الدعاء والجأر إلى الله ووقت الإخلاص في النية وتنقية القلب... ليصل أجر صيامنا نقيا لا تشوبه شائبة... طلبت منه أن يدعو لنا فرفع يديه وتوجه بقلبه وجوارحه لله وبدأ دعاءه الذي أبكانا....

اللهم إنا قد التجأنا إليك وأنت الكريم فلا تردنا خائبين... اللهم لك صمنا طائعين فلا تردنا يا أكرم الأكرمين...
اللهم ربنا لا رب لنا غيرك... عبيدك نحن ولك غيرنا العبيد والعبيد... نطلب من الكريم الذي إذا سألناه مسألة أعطانا أكثر منها... نسأل بأفواه تأذت من لغو الحديث وتثاقلت عن ذكرك... وبقلوب قست من محبتها للدنيا ولابتعادها عن أمرك... وأجساد تنوء بأحمال وأخطاء وقليلاً ما سجدت لك جباهها وركعت لك أوساطها...
اللهم نسألك الإخلاص في النية والقول والعمل... ونسألك التوفيق في العبادة والتيسير في القصد والهداية في السبيل والفوز بالجنة..

اللهم رد علينا ماضاع وزدنا عليه من فضلك وافتح بنا القلوب المغلقة واهد بنا النفوس الضالة ورد الإسلام وأهله رداً تجمع فيه تفرّقنا وتنصر فيه هزيمتنا... وتدلنا على طُرُق الخير وتبعدنا عن طُرُق الشر...

الله رد غريبنا إلى أهله ورد ضالّنا إلى سبيلك واجعل ملتقانا حوض نبيك وتقبل منا صيامنا بكرمك...

........

وزاد ابن جبير في دعائه وأجاد وأيدينا ترتفع لتطلب من الله القبول حتى حان موعد الإفطار فأكلنا تمرات وعيوننا دامعة نستشعر فضل الله علينا أن أحيانا لنصوم ومدّ بأعمارنا حتى موعد الإفطار... ثم صلى بنا صاحب البيت المغرب فجلسنا بعدها لنأكل باسم الله.......

......

تسابق الإخوة للجلوس بجانب ابن جبير... فالكل صار يحب الشيخ جابر ويتقرب منه... وكل منهم يشعر أنه باقترابه منه سينال بعض البركة وما هي إلا القلوب التي تحنو عند ذكر الله فتشدها ريح الإيمان وتجذبها أنوار الحق فتقترب لتلتصق حيث ترى إشعاع هذه الأنوار ونسائم هذه الريح...

وما إن بدأنا بأنواع الطعام حتى ابتدرنا صاحب البيت ذاكراً صلاة التراويح في مكة وسأل ابن جبير إن كان قد شاهدها فابتسم الرجل ابتسامة واسعة وقال : طبعا شاهدتها وعشتها وعايشتها...
خبروني أولاً كيف هي الآن ثم أذكر لكم بعض أخبارها في غابرٍ من زمانكم لأيام تعود لثمانية قرون خلت...
حدثته عن نظافة المسجد الحرام وإنارته ليلاً ونهاراً والعناية بالحرم الآمن وجمال جدرانه ومسجده الذي يتسع لألف ألف مصلٍ في وقت واحد... والهواء المكيّف و ماء زمزم البارد والمقام والملتزم...

ذرفت عينا الرجل ثم قال الحمد لله على وافر نعمته على المسلمين... أتعلمون يا إخوتي أن الحج أيام الناصر صلاح الدين كان قطعة من العذاب... أتعلمون أن النفرة لمنى كان مغامرة قد يموت فيها الكثيرون وأن القبائل المجاورة لطالما هاجمت الحجاج فأخذت أموالهم وقتلت منهم الكثير رغم ضبط السلطان الناصر لها وإرضائها بالأموال والصلات...

كانت البيوت يا إخوتي تطلّ على المسجد وتفتح عليه أبوابها وكانت المتاجر تختلط بالمسعى وتلتصق بالطائفين... كان الناس يا إخوتي يرون الأهوال والمنكرات رغم العزة التي كان عليها الإسلام ورغم القوة التي كان عليها الناصر صلاح الدين...

وما أحلاها من ليال يعيشها المسلمون في رحاب مكة وبين جدران المسجد وتحت أستار الكعبة...

أتعلمون يا إخوتي أنني أتممت حفظ القرآن في رحلة الحج التي قمت بها ... فأكرمني الله بختمتي وبحج بيته في آن.... وما أجمل رمضان في مكة... وصلاة التراويح فيها وإفطار الصائمين الذي كان يقوم به أغنياء الأمراء وتجار مكة...

وجدتها الفرصة لأخبر ابن جبير بطريق غير مباشر أن الإفطار مازال على حاله يقوم به كبار التجار في مكة فيأكل كل من في الحرم ثم يصلي الجميع المغرب بنظام بديع لطيف محبب يعود فيه الإنسان إلى ربه ويتذكر حلاوة دينه وتطبيق عباداته ويبقى فيه حرم الله الآمن أجمل وأنقى بقاع الدنيا ,وأحبها على قلوب المسلمين...

وللحديث بقية...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 10:57 am

الفصل الثاني عشر

رحلة غرناطة

أما اليوم فالقصة غريبة طريفة حزينة .. لم أظن الرجل قادراً على السفر كما قال.. لكنه سافر فعلاً
وما الذي سيجعله يقدم على هذا رغم بعد الزمن والمكان وأي سبب أسمى من العودة لمسقط رأسه ... ليرى مدينته...
في اليوم التالي لإفطارنا علمت أنه سافر مع أحد الإخوة لزيارة غرناطة
لم أقلق فهو ليس وحيداً لكنني بقيت أترقب عودته بفارغ الصبر
زارها
زار غرناطة
غرناطة، تلك المدينة العظيمة التي لسِتّ مئة سنة خلت كانت القلعة الصامدة تؤكد أن الأندلس مشعل نور يجتمع فيها المسلمون ويقاومون جيوش إيزابيل وفرناندو حتى آخر لحظه..
تلك المدينة العظيمة التي بقيت علماً يرتفع بلواء الإسلام.. حتى إذا سقطت لخيانة الخليفة الصغير أبي عبد الله ووزارئه الخونة ، هوت معها عزة المسلمين في الأندلس وتحطمت مشاعل النور التي انتقلت بالعلم والهداية لأنحاء أوروبا على مدى سبعة قرون...
غرناطة التي كتبت سفراً في التاريخ ...

وأنا المتيّم بالمسلمين وتاريخهم.. قرأته مرات... حتى صرت أرى نفسي أمشي مع الصحابة وأجالس العلماء وأسمع كلمات الخلفاء..
قرأت تفاصيل اليرموك ثم عاودته.. حتى صرت أرى من حولي صهيل الجياد وسحاب النقع وصرخات الأشاوس

عشت مع مشرق الأجداد ومغربهم... عشت مع حارات دمشق وجسر بغداد وسبخات البصرة... ونزف دمي مع دماء الحُجاج عندما هاجمهم القرمطي أبو سعيد الجنابي.. وفاض دمعي مع المسلمين عندما علموا بانهزام أسطول العثمانيين ضد البرتغال في الهند... عشت مع كل لحظة من هذا التاريخ العظيم... تاريخي وتاريخ أجدادي...

كنت أرى مع كل صفحة أقرؤها مساجد المسلمين تُرفع والأذان يصدح وجلسات العلم تتحلق فيها... والسلام والخير والعدل والعلم
أرى أفول عهود الظلم والظلام مع كل فرسخ طوته مركبات هؤلاء الفحول

رأيت هارون الرشيد... وعايشت صلاح الدين ... وحملت سيفي مع المظفّر قطز...
سمعت من ابن رشد ودرست مع ابن زهر ومشيت في شوارع غرناطة وقد أتاها ابن تاشفين الذي سحق الإسبان في معركة الزلاقة فطال أمد النور والإسلام في الأندلس قرنا آخر...

وآآآآآآه منك يا غرناطة.... وأي سقطة تلك التي سقط فيها مجدنا وسقطت فيها كرامتنا وسقط فيها عزنا عند سقوطك.... أي عار غرز في قلبي المِدى.. وأي حزن فجر دمعي وأنا أرى الخائن أبا عبد الله الصغير يوقّع وثيقة تسليمك لفرناندو ملك الظلام وسيد الشرّ والجهل ورسول إبليس في القرن الخامس عشر...
جلست مع أبن جبير بعد الإفطار أسأله وقلبي يخفق
بين شغفي لمعرفة تفاصيل مشواره بعد أن عاد منه وأسئلتي الاي ترسمها نظرتي
نظرت في عينيه فقرأت ما في نفسه
قرأت صفحات من العزة تتهاوى وقمم من الكرامة تتمزق
قرأت فيهما ما يتردد في ضميره
قرأت سؤاله ،، لماذا ؟؟؟
ماذا أقول وكيف أواجه نظرات الرجل وقد رأى بلده وقد ضاعت ودولة الإسلام فيها منهزمة والسيادة للمغتصب والكلمة للضلال...

نظرني ابن جبير نظرة طويلة ...

ذهبت يا صالح لغرناطة... بحثت عن الحمراء... قصر الخلفاء... دخلته فلم أجد الخليفة الأموي الناصر... ولا أبناءه الميامين... لم أجد علماء المسلمين والفلاسفة يغدون ويروحون... لم أجد عباقرة الطب والفلسفة والعلم والقضاء... لم أجد التقاة من الموحدين الذين جمعوا شمل الأمة في بلاد المغرب..

الجدران هي هي... والأرض لم تتغير... لكن الأجساد تغيّرت عندما غيّرنا الإيمان في القلوب...
ذهبت أصلي في مسجد القصر... المسجد الذي طالما صليت فيه... ذلك المكان الصغير الذي كنت أعلم عند دخولي للصلاة فيه أن صغره بشارة سوء... وكيف نستبشر في دولة للمسلمين غاب مسجدها وهُجر في بلاط ملكها وقصر خليفتها...

لم أستطع الصلاة في المسجد يا صالح... فقد غدا متحفا يعرض فيه الكفار ما غنموه من المسلمين... قصر الخليفة وبلاط الأمراء... بحثت عن مئات المساجد التي كانت في غرناطة...
لم أعد أرغب وأنا في بلدي الحبيب أن أركب في تلك الآلة الكبيرة التي حملتنا كجناح الريح إلى الأندلس... أحببت أن أمشي... أمشي في شوارع بلدي... لأشعر بدبيب قدمي على أرضها وأتنسم هواءها... بلدي التي لم أظن يوما أن الأذان سيغيب عن أجوائها ومسامع الغرّ الميامين من المسلمين فيها...

مشيت يا صالح... وبجانبي رفيقي في الرحلة ... أحاول أن أرى بعض معالم الإسلام الذي تركته فيها... بين آلاف الأبنية والطرقات.... مشيت ودموعي في عيني والغصة في قلبي لا يعلم مقدارها إلا الله...

لم أر يا صالح أمامي سوى النساء السافرات الكافرات... والرجال الفرنجة والأسبان... كنت غريبا في بلدي ... غربة مريرة... غربة من رأى الكارثة فما استطاع لها تبديلا...

رأيت يا صالح مئذنة المسجد الجامع في غرناطة... تلك المئذنة التي طالما أضاءت روحي بمنظرها... خفق لها قلبي ووجدت قدمي تجريان لأصِلها... لكن الحزن الدفين الذي كنت أحاول كتمه خرج ليطغى على جسدي كله عندما رأيت المسجد الكبير وقد صار كنيسة.. وصليب كبير مرسوم على جدار مئذنته التي حولها الأسبان لبرج الناقوس... وما الخطأ خطأ الأسبان يا أخي بل هو خطأ الملايين من المسلمين الذين هجروا دينهم على مدى قرون... فضيعوا الأندلس وضيّعوا أهلها... وضاعت معها مشاعل النور ومستقبل الأجيال....

كانت كلمات ابن جبير تسير بي بين شوارع غرناطة.... غرناطة المسلمة العظيمة... بين أزقتها وعلى أرصفتها... كنت أرى مع تلك الكلمات قامات المسلمين الممشوقة في حضارة لم ترَ الدنيا مثلها... كنت أسبح مع تلك الكلمات في أجواء الأذان من مئذنة المسجد ... صورة رأيتها مع كل كلمة وهي تتغير لتستبدل بدلاً منها صور القتلى من المسلمين في محاكم التفتيش... وصور البيوت تهدم وأطفال المسلمين يسرقون من بين أيديهم ليأخذهم الرهبان للأديرة لينسوا أصلهم وليكونوا أعوان الكفر والتنصير...

لم تتوقف الكلمات عن فعل أفاعيلها في نفسي... ولم أستطع أن امنع صورة رهيبة خطيرة بدأت ترتسم في ذهني... صورة مصيرنا بعد قرون... مصير المسلمين في بلدهم بعد أن ابتعد الناس عن الدين وصار السفور تقدماً والكفر حضارة... وصار المسلم مجرماً أو إرهابياً متطرفاً والصادق غبياً... وهجر الناس المساجد حتى صارت جدراناً لا تحمل من روح الإيمان شيء....

ثم ارتسمت صورة قاتمة لبلاد المسلمين وقد زال الإسلام عنها وانتصر فيها المعتدي وتحولت مساجدها لمتاحف... صورة رأيناها في تركيا وفي روسيا في القرن الماضي وما أقساها من صورة....

يا ترى كيف سأكون يا ابن جبير إن قدّر لي الله ما قدر عليك فانتقلت إلى بلاد المسلمين بعد قرون وأي صورة سأرى إن استمر المسلمون على ما هم فيه من ابتعاد وانحراف؟؟

ولا يعلم مصير المسلمين إلا الله إن بقوا عن إسلامهم غافلين وعن سيرة نبيهم هاجرين وعن التضحية بالمال والنفس والوقت والجهد مقصّرين...

يا ابن جبير... حسبك...... حسبك.... كفاني ما أنا فيه من همّ على مستقبل خطير لا أعلم كيف يكون.... كفاني حزنا على المستقبل... كفاني ما ألم بي... فلماذا تشعل في قلبي حزني الدفين على الماضي الذي عشته مع تاريخي العظيم وحزني على كل قطرة دم لأجداد كانت تضيء كزيت مصابيح الأقصى...

حسبك يا أخي... حسبك....
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.....

سمعت كلمات ابن جبير التي تغلغلت في ثنايا نفسي ففجرت مكنونات الحزن ومعاني الأسى على ما ضاع وما جرى...
أثارت كلمات الرجل ما في قلبي من خوف دفين على مستقبل المسلمين في بلاد صار الظلم والانحراف والفساد فيها هو الأصل ... ولم يعد لهم من الإسلام إلا أسماؤهم التي يرددونها دون فهم أو علم... فنجدهم في الجرائم والمعاصي.. منهم مصطفى ومختار وأمجد ومحمد.. وغيرهم وغيرهم...

جرت دموعي وعلَت شهقات صدري وسمعني الرجل أقول بصوتي الخافت ما يقول قلبي: حسبك يا ابن جبير ... حسبك....

توقف الرجل عن متابعة كلماته... ووقف يصغي لآهاتي وترديد رجعها... وينظر لدمعي ومجراه الذي حفر الأخاديد...

توقف الرجل هنيهة... وكأنه رقّ لحالي.... فبدأ يتبسط معي ملاطفا ومواسيا: لا تحزن يا صالح ... لا تحزن....

انظر يا صالح... لقد أوجعتك كلماتي وأخباري... وحق لها أن توجعنا... وما هي إلا حصاد ما فعلناه وما فعله المسلمون من تقصير على مدى أجيال... فأنا يا أخي لا ألومكم... أنا ألوم أجيالنا التي أتت قرونا قبلكم... وأتمنى ألا تأتي الأجيال بعد قرون لتلعن جيلكم وتلقي عليه تبعة مصائب ستأتي...

لا تحزن يا أخي صالح... لقد أخبرني الأخ الذي رافقني في رحلتي عندما رأى حزني، أن الإسلام انتشر في كل مكان... وأنه يوجد في بلاد المشرق البعيد حيث الصين والسند أقوام دخلوا الإسلام بمئات الملايين... وبلاد بأكملها مسلمة تعيش على سنّة رسول الله وآيات القرآن...

ضاعت الأندلس يا أخي... لكن الإسلام لا يضيع.. فقد هيأ الله بجهد الدعاة من يحمل الرسالة لأمم أخرى تدخل في دين الله أفواجاً...

لا تحزن يا صالح.. فالمسلم شمعة تضيء حولها... لا يخبوا نورها إلا عند موتها... أنتم يا أخي شموع هذه البلاد... وبقدر جهدكم سينتشر النور... حتى يعود الإسلام عزيزاً بإذن الله.. وما دموعك هذه إلا الدليل على ما بقي من خير في قلوب أجيالكم.. وتضحيتكم وعملكم والتزامكم بدينكم رغم ما رأيت وما علمته من مصائب يعيش فيها المسلمون والكفار على حد سواء هو أكبر دليل على الأمل والخير.... واعلم أن الله لا يضيع أجر الصابرين...

سرّى ابن جبير عني بكلماته وأعاد في قلبي الأمل الذي كاد يختفي أو يختبئ...

فتوقفت دموعي عن الجريان وتمتمت حامدا لله طالبا منه العون...

ابتسم ابن جبير .... وابتدرني ممازحا:
أتعلم يا صالح أنني وجدت في غرناطة مسجدا استطعت أن أصلي فيه؟؟؟ لقد ذهبنا لمكان فيه الكثير من المسلمين وعندهم مسجد صغير نظيف يصلون فيه الجماعة... أليس هذا جميلاً يا أخي... بعد أن اختفت الصلاة في هذه البلاد مئات السنين ، تعود من جديد....

ثم خفض صوته خجلا وهو يسرني في أذني: الحقيقة يا أخي فأنا لم أعتد حتى الآن على مصابيحكم الغريبة...
تصور.... أدخل الموضأ لأجدد وضوئي وأنسى أن أضغط على الإصبع الغريب الذي ينير الفانوس...
البارحة كدت أموت من دهشتي... فقد كنت أقف تحت الفانوس تماما... ودخل أحد الإخوة فأناره... شعرت فجأة بالنور يعلوني فقفزت كالمجنون ظناً مني أن صاعقة نزلت على رأسي... ألا تستطيع يا أخي أن تمنع هذا الإصبع اللعين من القيام بعمله الغريب في إنارة المكان ريثما يقدر الله لي وأغادركم....

نظرت في وجهه وووجنتيه فرأيتهما يحمرّان خجلاً تحت شعيرات لحيته المشوبة بالبياض... شعرت أنني سأبتسم... ثم بدأت أضحك.... وأخذتني نوبة الضحك... فضحك ابن جبير معي .. وضحكنا حتى سالت دموعنا... ثم التزمني ابن جبير فقبل رأسي وقال: بارك الله بك يا صالح... أنت طيب القلب... وسيحمي الله المسلمين في كل مكان يا أخي فلا تنشغل وتوكل على الحي الذي لا يموت...

بارك الله بك أنت يا ابن جبير.... أبكيتني ثم أضحكتني... وعدت فزرعت في قلبي الأمل بعد أن كاد يخبو...

نعم يا ابن جبير... سيعود الإسلام لهذه البقاع.... سيعود هادئاً مطمئناً بإذن الله... وما غاب الإسلام عن مكان في التاريخ إلا كان في نفس الوقت ينتشر في بقاع أكبر وأوسع... وهكذا حال الدعاة لا توقفهم هزيمة ولا تمنع عملهم محنة....

بارك الله بك يا ابن جبير...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 10:58 am

الفصل الثالث عشر

المشفى

خبر عاجل....

اتصل معي على هاتفي الخليوي منذ دقائق أحد الشباب الذين يقيمون الليل في المسجد وأخبرني أن الحاج جابر " أي ابن جبير" مريض جداً وأنه يتألم من بطنه ألماً شديداً وقد تصبّر على الألم حتى سقط على الأرض وقد تندى جبينه عرقاً....

أفزعني هذا الخبر فزعاً شديداً .. ونهضت من فوري مسرعاً لأرى ما الذي حصل...

الرجل صلب وصبور... تحمل الكثير خلال حياته... وما رحلاته المعروفة إلا دليل على هذا الصبر والقدرة على التكيّف.. وما بقاؤه هادئ البال رابط الجأش عندما رأى نفسه في زمننا إلا لصبره وهدوئه وحكمته...

ذهبت على جناح السرعة إلى المسجد فوجدت الرجل مستلقيا على الأرض وقد وضع يديه على بطنه من الألم... اقتربت منه فابتسم لي من خلف ملامح وجهه التي أظهرت معاناته... : أهلا بالطبيب صالح... لعلك تجد ما ألم بي سريعا فتحضّر لي دواءك الناجع.... أو ربما ستسارع لقراءة وصفات ابن زهر أو أبي القاسم الزهراوي أو الطبيب الرئيس ابن سينا....

لا تنس يا أخي أن تذكر اسم الله وأنت تختار الدواء فالشفاء والعلاج بإذنه ومن بعد أمره...

جسست بطن الرجل فوجدته متقفّعاً متصلّباً.... لا حول ولا قوة إلا بالله... حالة بطنٍ حادة!!! وما هذا بوقتها أبدا...

أعنت ابن جبير على النهوض وأسرعت به لقسم الإسعاف حيث أدخلته حجرة من حجرات الفحص.. وما هي إلا دقائق حتى حضر زميلنا الجرّاح فوضع التشخيص: التهاب زائدة !!!!

أما مشكلتي فلم تكن في العمل الجراحي.. ففي فرنسا لا يرفض المشفى العام أي إنسان يأتي للعلاج إسعافاً.. لكني وقفت حائراً أمام الموظف الذي طلب مني بيانات هوية الرجل ... ماذا أقول؟؟؟
ابن جبير الأندلسي؟؟
تعللت أن الوقت ليلاً وأنني لا أعرف اسمه بالضبط وأنني مسؤول عن كل المصاريف اللازمة لأي عمل جراحي .. ووضعت توقيعي على الأوراق ...

ساعة من الزمن ريثما أجرى المخبر التحاليل الضرورية ، ودخل ابن جبير للعمليات لاستئصال الزائدة... . لم ينبس ابن جبير بكلمة ولم يطرح عليّ أي سؤال خلال هذه المدة.. كان مشغولاً بالدعاء وذكر الله.... كنت أرى قطرات العرق تتحدر عن جبينه، وشفتيه ترتجفان وأسمع همسات التسبيح والحمد...

قبل دخوله غرفة العمليات أشار لي فاقتربت منه فهمس في أذني: إذا قدّر الله عليّ الموت يا صالح فاعمل على دفني في غرناطة...

كنت واثقاً أن الرجل سيُشفى بإذن الله.. فكلنا نعلم أن ابن جبير مات في الإسكندرية... وأنا لا أشك أبدا أن هذا الرجل هو أحمد ابن محمد ابن جبير الأندلسي الغرناطي....

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 11:00 am

الفصل الرابع عشر

بقيت جالساً بالقرب من سرير ابن جبير في قسم الجراحة بعد خروجه من العمليات...
غفلت عيني لحظات قبل السحر... ولكن كلماته أيقظتني ...سمعته يناديني بصوت خافت.. أخي صالح... لا تنس سحورك فالفجر يقترب...
لم أدر منذ متى استيقظ ابن جبير... لكنني واثق أن الألم الشديد في بطنه منعه من الوقوف .. وإلا لكان واقفا بجانبي يقوم الليل كما هي عادته في أيام رمضان السابقة...

طمأنته ببضع كلمات أخبرته أن العملية بسيطة وانتهت على خير وأنه يجب أن ينام ويرتاح فربما يخرج من المشفى غداً أو بعد غد.... تيمم الرجل ورفع يديه وهو مستلقٍ على سريره وبدأ صلاته ... أما أنا فتركته يناجي ربه وخرجت مسرعاً لأذهب لبيتي... لأسرق سِنة من النوم بعد أن أكلت لقيمات قبل الأذان ثم من بعده صليت الفجر...

ذهبت من غدي لعملي وأنا متلهف للمرور على غرفة ابن جبير .. لأطمئن عليه وأسمع كلماته...

كان صباحاً لا أنساه أمضيت فيه مع ابن جبير في غرفته ساعات من أحلى لحظات حياتي...حديث اختلط فيه التاريخ بالواقع والحضارة بالإسلام... حديث حلو لذيذ ....

أنهيت عملي وذهبت لأرى ابن جبير صباح إجراء الجراحة له... مررت أولاً على مكتب القبول الذي لم يطلب أوراقاً رسمية فقد ظن أن ابن جبير مهاجر غير رسمي.. فسجل المعلومات التي أعطيتها له واكتفى بتعهدي بدفع التكاليف...

رأيته يجلس على طرف السرير... حاول أن يقف عند قدومي فأسرعت إليه لأمنعه... وقبّلته بين عينيه ثم جلست بجانبه...

لا أدري يا صالح أين اختفت مقبرة غرناطة... فقد ذهبت إليها لأزور قبور من فقدتهم من أهلي وأحبابي وملوك بني أمية وقضاة البلد الصالحين فلم أجد لها أثراً؟؟؟ كيف تزول تلك الأوقاف يا أخي؟؟؟ وأين يدفن المسلمون موتاهم في بلاد الفرنجة؟؟؟ كنت أظن نفسي ميّتاً لا محالة وتساءلت كيف ستدفنني في غرناطة وأين هي المقبرة الجديدة للمسلمين؟؟؟

فاجأني سؤاله... فهل يحق لي أن أشرح له أن المسلمين لا مقابر لهم في بلاد الغرب وأن أغلبهم يُدفنون في مقابر النصارى والباقين تعود أجسادهم إلى بلادهم؟؟؟ وأن المقابر التي كانت لهم منذ أكثر من عشرة قرون قد هدّمت واختفت... وأن قبور أغنياء المسلمين في مونبيلييه وبربينيون ومارسيليه وغيرها في جنوب فرنسا عدا عن ملايين القبور في الأندلس قد أُزيلت عن بكرة أبيها... بل قام الأوربيون بتغيير حقائق التاريخ ليدّعوا أن المسلمين لم يتواجدوا يوما على هذه القارة ولم يكن لهم يوماً منزل ولا قبر...أي ذل وصلنا إليه... ليس لنا أن ندفن موتانا في قبور لنا .. اللهم أعزنا وأعز المسلمين...

لا لم تمُت في العملية يا ابن جبير... وأنا واثق أنك ستعيش... وواثق أيضا أنك ستعود لبلادك بإذن الله... أدعو الله يا أخي أن يلهمنا أن نتعلم منك طالما أنت معنا... وأن ننتفع ببركتك وفضلك...

وما هي إلا هنيهة حتى ضعنا في تجاذب أطراف الحديث ساعات.. أنهَلُ فيها من علم هذا الرجل وأسمع فيها أخباره...

قال لي: ما شاء الله يا أخي... أي بيمارستان هذا!!!! ذكرني بالبيمارستانين اللذين شاهدتهما في الإسكندرية .. أنشأهما السلطان الناصر للمرضى... فهما أجمل وأوسع وفيهما في كل غرفة ساقية ماء صغيرة والأشجار تحيط بنوافذ الغرف من كل جانب... ولكل بيمارستان أوقاف عديدة لمصاريف المرضى وللعاملين فيه..

أتعلم يا صالح؟؟؟؟ إن أول من سنّ سنة المشافي هذه هو الملك نور الدين محمود ابن زنكي رحمهُ الله.. وقد زرت بيمارستانه في دمشق قبل حضوري عندكم بأيام بسبب ألم في بطني خفيف يماثل ما حصل معي البارحة... وقد أخبرني الطبيب موسى بن ميمون الذي كان متواجدا هناك أن هذا الألم سببه المعي الغليظ وأن أبا القاسم الزهراوي في الأندلس قد وصف طريقة لشقّ البطن ومحاولة اكتشاف موضع المرض لكن الأطباء لا يجرؤون على تطبيقها فهي خطيرة للغاية...

قل لي يا أخي.... إذا كان الفرنجة قد تعلموا منا الطب والبيمارستانات كما أرى، فكيف تطور الأمر في بلاد المسلمين؟؟؟؟ لا بد أن البيمارستانات أفضل من هنا بكثير... وهي كما عهدتها مجانية لكل الناس بدوائها وعقاقيرها....

سمعت كلامه فوجدت نفسي أتضاءل وأصغر حتى لا أكاد أظهر... وماذا أجيب الرجل؟؟؟ أأقول له أن المشافي في بلاد المسلمين لا عناية فيها ولا دواء؟؟ وأن أفضل المشافي عندنا هي التي يقوم على إدارتها أطباء أجانب... وأن الغلاء الفاحش يجعل بعض المرضى يتمنون الموت مئة مرة وهم يرون أبناءهم وعائلتهم تبيع الدار والمركوب لتدفع بعضاً من تكاليف العلاج؟؟؟

لم أجِب الرجل وتعللت بشيء آخر ثم أخبرته أنه ربما يخرج في المساء وسأضطر أن أستضيفه في بيتي ريثما يتحسن قليلا... لم يجِبني ولكني قرأت في عينيه رفضه لأي مكان يذهب إليه عدا المسجد...

....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 11:06 am

الفصل الخامس عشر

بعض الحديث .....

أمضيت يومين مشغول الفكر مضطرباً مرتبكاً..

والذي كان يشغلني هو أنني بعد خروج ابن جبير من المشفى فقدته فلم أجده ..

لكنه عاد أخيرا ليروي لي زيارته الخاطفة لمدينة بروكسل في بلجيكا.. وهي قريبة منا جدا ... على بعد ساعة ونصف بالسيارة... وقد رافقه مرة أخرى نفس الأخ الذي أخذه للأندلس منذ عشرة أيام...

سأحدثكم لاحقا عن تلك الزيارة فأخبركم عن ملاحظات هذا الرجل الذكي ذي النظرة الصائبة والملاحظة الدقيقة...

أعود لابن جبير فقد هجرت قصته لعدة أيام... مع أنها تطورت وتشعبت ولم أعد أعرف من أين سأبدأ في متابعة أحداثها وقد تناثرت حولي الأحداث الجديدة وتعددت...

ابن جبير الذي اكتشفت أنه يتكلم الإسبانية بطلاقة.. كما يتكلم لغة الباسك وهم سكان شمال اسبانية الذين يطالبون باستقلالهم...ويتكلم اللغة الكورسيكية التي تقترب من الإيطالية .. ويفهم بعضاً من الإيطالية... وقد أنقذتنا معرفته بتلك اللغات من مأزق خطير في إحدى المرات.. أرويه لكم بإذن الله...

ابن جبير الذي انغمس في هذه العشر الأواخر في المسجد.. معتكفاً قائماً ساجداً عابداً قارئاً لآيات القرآن... وعندما علم أننا نحتفل في ليلة السابع والعشرين أبدى استغرابه الشديد لأنها ليست بالضرورة ليلة القدر... ثم أبدى موافقته على مضض لما علم أن في هذا نوع من أنواع تجميع مسلمي المدن في هذه البلاد التي نحن فيها غرباء..

ابن جبير الذي ومنذ وجوده بيننا أصبح محوراً يجتمع حوله شباب المسجد ليسمعوا منه كلمات من التشجيع والإطراء حينا وابتسامة وممازحة لطيفة حينا آخر.. وليسأله بعضهم عن أمور لم يستطيعوا سؤالنا عنها لأننا لم نعرف كيف نزيل الحواجز بيننا وبين شبابنا وأبنائنا... أزالها هذا الرجل الذي أتى من عمق الزمن... من لا يعرف اللسان الفرنسي... لكنه يعرف كيف يجذب القلوب بإخلاصه وهدوئه واحترامه للجميع...

كنت مرة أكلمه عن مصائبنا... فقد أدمنت الكلام معه عن المصائب... أتعلمون لماذا؟؟؟ لأنني أشعر أنني أفرغ الأحمال عن قلبي لأجد لأول مرة من يملؤه بعدها بشحنة من الأمل والعمل تتفجر في نفسي فأزداد صبراً بعد نفاد وأزداد أملاً بعد يأس...

كنت أكلمه عن مصيبة العراق وما آلت إليه.. فقال لي وقد أحسست أن النار تخرج مع كلماته... أتظن يا أخي صالح أن كافراً يستطيع أن يبقى في بلد مسلم طالما فيها رضيع يشهد أن لا إله إلا الله؟؟؟
يا أخي ... نحن نمتلك سلاحاً لا يمتلكونه... سلاحاً أقوى من نيرانهم وعددهم وعدتهم... سلاحاً في القلوب وفي الصدور....

نحن نملك حب الآخرة وهم لا يملكون إلا حب الدنيا....

لن يبقوا يا أخي في العراق الحبيب... وستذكرني عندها... سترى بإذن الله بغداد تعود شعلة علم كما كانت... فالبلاد التي زرع فيها أبو حنيفة علمه وابن حنبل إصراره على الحق.. والتي فتح الله منها السند والهند... فكانت جنودها هي من دخل كشغر في أفغانستان .. وبخارى .. وأطراف الصين.والسند وأعالي الهند..... هذا البلد يا أخي قوي بأبنائه... بمسلميه... ولا يحزنك يا أخي وجود المنافقين والكاذبين فلم تخلُ منهم أرض منذ عهد رسول الله... ومحنة العراق الآن تكشف النفوس وتمحص الخبيث من الطيب... فلا مكان بعدها لمنافق ولا كاذب بل سيرى كل مسلم بواطن الناس كما يرى ظواهرهم...

ما من محنة تصيب المسلمين يا أخي إلا وتزيدهم قوة وتصقلهم كما تصقل النار الذهب فتزيل عنه الخبث والشوائب... وليس لنا إلا العمل والدعاء والإصرار على القيام بواجباتنا والتضحية بما نستطيع...

تعجبت أن الرجل لم يطلب مني أن يثور الناس على القادة .. لكنني تذكرت أنه من هذا الجيل الذي سبق ظهور صلاح الدين ثم عاصره... جيل كان يعمل بصمت... فيبني النفوس ويصقلها ويعمل الأعاجيب في صنعها ويفعل الأفاعيل بؤلئك الذي سيصبحون فيما بعد قادة المسلمين ليكتب الله على يديهم النصر والتيسير....

لله درك يا ابن جبير ...

ابن جبير...

أندلسي من القرن السادس الهجري....

أندلسي عاش أياماً عظيمة.. وأياماً عصيبة... وأياماً عزيزة....

ابن جبير... رجل أتانا من عمق الزمان...
لماذا أتيت يا ابن جبير...؟؟؟؟ ماالذي جاء بك يا أخي... يا من رحل سنين يجوب بقاع بلاد المسلمين... فيرى ويلاحظ وينتقد ويحاور...

يا ابن جبير.... أتظن زمنك مختلفاً عن زماننا؟؟؟.. لا و الله.... فنحن نعيش أياماً عصيبة ولحظات عظيمة وأحداثاً رهيبة... رأيت في أيامك مثلها... وأحياك الله لترى بعدها نصراً عظيماً وفرجاً قريباً...

نصراً لن يغيب بعيداً حتى نراه يا أخي كما رأيته أنت.. وعودة مباركة لأجيال كاملة .. تائبة منيبة... تفرح بنصر الله كما فرحتم به...

يا ابن جبير...
يا لسعادة قلبي برؤيتك... وأي ميزة خصّني الله بها أن رأيتك وعرفتك...
أنت يا أخي من فتّح عيوني على أمور كثيرة.. أنت من جلست إليه لأستمع ساعات... فأخبرني وزادني وعلّمني وخصّني بما لم يعرفه غيري...

يا ابن جبير... أتعلم يا أخي؟؟؟؟

كلنا يا أخي ... كلنا ابن جبير...

أتدري يا أخي أنني منذ أن رأيتك لأسابيع خلت بدأت أراك في كل مسلم حولي؟؟... أتدري يا أخي أنك في قلوب هذه الأجيال...
كلها يا أخي رأت الأهوال كما رأيت... وكلهم هاجروا وعانوا ومات منهم كما مات من جيلكم... وكلهم يا أخي يرى كما ترى ويفهم كما تفهم... ويبحث بهدوء وصمت ويعمل بجد وصبر... كما كان جيلكم يا ابن جبير...

ابن جبير... أنت يا أخي نعمة أنعم الله بها على حياتي؟؟؟

أنت أخ جديد... قديم.... دخل قلبي فأحببته... فلا تنسني يا أخي...

ولا تغادرني يا أخي.. فتزيد مصيبتي بمفارقتي لرمضان...

يا ابن جبير...
ابق معنا فلازلنا نحتاج كلماتك...
يا ابن جبير...
أنا أحبك يا أخي في الله....

ابن جبير..

أندلسي أتى من عمق الزمان...

جلس هذا العملاق يبثني مكنونات صدره.. ولأول مرة أرى دمعات تهبط رويداً على وجنتي هذا الرجل السمراوتين.. فتصل لشعرات لحيته لتبتلّ... فتزيده هيبة ووقارا....ً

لماذا يا ابن جبير؟؟؟ لماذا يا أخي ؟؟؟ ما الذي أبكاك؟؟..جلس ابن جبير بجانبي في مسجدي يبثني ما في قلبه ورأيت منه ما كنت أظنه بعيداً بعيداً..

أتدري يا صالح؟؟...

لم أعد أرغب برحلتي هذه..!!!... لم أعد أريد أن أبقى معكم... لم أعد أطيق يا أخي ما أرى.... لا أستطيع أن أعيش هذا الزمان الذي دعوت الله أن يكون خيرا من زماننا ... فوجدت المسلمين فيه يعيشون العناء والضنى...
سمعت القصص.. سمعت منها يا أخي أن مدينة غزة لسنوات قليلة خلت وقفت كخبيب ابن عدي على صليب الكفار... صرخت... تنادي ... الله أكبر... خسئتم يا مجرمين... لا يموت المسلم إلا واقفا...

سمعت يا أخي من بعض إخوتي... وليتني ما سمعت... سمعت أن أبناءها الأشاوس وقفوا كأهل بدر... لا سلاح معهم إلا الإيمان في الصدور... ودماؤهم على أكفّهم... يواجهون أسلحة طورها المغتصبون لتقتل عن بعد.. لتدمر الجدران على الرؤوس... وقفوا وواحدهم قد استودع أهله وأبناءه عند الله... ولا همّ له إلا الدفاع عن أرض الإسلام وكرامة المسلمين.... لا يخاف الموت... بل يرى أمامه الحور العين....
سمعت يا أخي عن مدينة الشهادة.... ويا لِمُدُن الشهادة ما أكثرها... وأي لوعة في قلبي أحملها كلما رأيت مدينة جديدة تنضم لقائمة مدن الشهداء التي لم تنتهِ....

آه يا أخي..... أين نحن من رجال حطّين ... وقبلهم أبطال اليرموك... وشهداء أحد ومؤمني بدر... حرقت دماء المسلمين قلبي فلا أجد له علاجاً... وكسرت نفسي فلا أرى لها جَبْراً....

يا صالح... لم يعد بي صبر يا أخي... ضاعت الأندلس بما ضيعناه من ديننا.... وضاعت القدس بما ضيعه الأجيال من بعدنا... وأنا أرى معكم ضياع دماء الأشاوس الشجعان... دماء أزكى من عطور المسك... وأرواح أرقّ من النسيم العليل...

يا أخي ما ظننت أنني سأسأم الرحلات يوما... ما ظننت أن أعظم رحلة أنعم الله بها عليّ عبر القرون ستكون أليمة مريرة كهذه...
أخبرتك يا أخي أنني أرى النصر قادماً بإذن الله... وأنكم على طريقه تسيرون.. وهو أمر يا أخي أراه عين اليقين... وسيأتيكم بإذن الله كما يأتي فلق الصبح...
أما أنا... فقد هرَمت وشُخت... شيّبتني مصائب المسلمين المتلاحقة... أنا يا أخي لست الرجل ذا العقود الخمس... بل أنا رجل عاش قرونا بتلك الرحلة الكونية التي ابتلاني الله بها... وكيف برجل مثلي أن يحتمل ما رأى يمر أمامه على مدى قرون...

يا أخي... أريد أن أعود... أعود لزمني فأعتكف لله باكياً... عسى أن ينسِيَني ما رأيت... فأبقى أعيش لحظات النصر في حطين وساعات الفتح في بيت المقدس..

...
جلست بجانب الشيخ... وقد رأيت أمامي دماء إخوة لنا في غزة... وإخوة لنا في فلسطين... وإخوة... وإخوة... حتى عادت بي الصور لأرى دماء المسلمين في بيت المقدس... ثم في بغداد هولاكو... وفي غرناطة....

وآه منك يا ابن جبير... وآه من غرناطة....
غرناطة... والحمراء... وخلفاء بني أمية... أحفاد عبد الرحمن الداخل... أحفاد هشام بن عبد الملك بن مروان... آه منكم يا خلفاء الدنيا.. يا ملوك دمشق...

رفقا بي يا ابن جبير.... وأين لي أن أفعل أي شيء سوى الدعاء... ولا قوة لي إلا ما يعلمه الله مني...

وللحديث بقية

.....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 11:07 am

الفصل السادس عشر

زيارة باريس

إخوتي وأخواتي...

بعد أن عاد ابن جبير من بروكسل .. أحببت أن أصحبه في رحلة إلى باريس... فقد كنت أنوي أن أذهب لشراء بعض الحاجيات والملابس والكتب لمكتبة مسجدنا...
خرجنا بعد الفجر... واستغرقت رحلتنا حتى نصل للمكتبة في شمال باريس ساعتين...

توقعت أن يبدي الرجل إعجابه بالسيارة القوية التي تطوي المسافات بمنتهى الراحة... أو بالطريق السريع الواسع المعبد الذي يُظهر مقدار التقدم... أو ربما أن يلفت نظري للقطار السريع جدا الذي يمر بجانب الطريق ويسير أسرع من السيارة...

لم يلتفت الرجل لكل هذا... فبعد الذي رآه من أعاجيب رحلاته أصبح لا ينبهر بشيء... خاصة أنه رحل رحلتين على هذا الطريق منذ أيام وأسابيع...وسرعان ما فهم أمره واعتاد عليه..
وكذلك المسلمون... لا تبهر عيونهم الحضارة ولا تُنسيهم شخصيتهم وحقيقتهم... فكل اكتشاف أو أمر لا يعدو أن يكون حجة لنا أو حجّة علينا... فإن كان سببا في ابتعادنا عن الدين فيا للخسران المبين...

كان المسلمون في بداية حضارتهم يندفعون لكل جديد... يتسابقون لتعلّمه واكتشافه والتحكّم به واستخدامه وتطويره... ولا يلبثون حتى يصبحوا أمهر فيه من أهله... فيكون عوناً لهم في عملهم...

شعرت بالخجل الشديد بل ربما أحسست أن العار يكسوني... عندما تذكرت العديد ممن أتوا لهذه البلاد ليتعلّموا أو يعملوا أو ربما لمجرد الزيارة..فكانت فتنة لهم جعلتهم يبتعدون عن حضارتهم ودينهم... وصاروا عبيداً للتقدم والمدنية بدلاً من أن يستعبدوها في خدمة الإسلام..

كم رأينا من أمثال هؤلاء... بل كم رأينا أمثالهم في بلادنا وليس فقط في بلد الغرب... كم قابلت من شباب لا يعدون أن يشاهدوا بعض البرامج التلفزيونية ليصبحوا أفسق الخلق... لباسهم هو لباس الكفار... وحديثم هو كلمات اللغو والكفر وأفكارهم هي أفكار الإلحاد والضلال...

كأنما أحس الرجل بما يدور في خاطري.... بل أكاد أجزم أنه كان يقرأ ما في فكري... سبحان الله للمؤمن.. فهو ينظر من وراء حجاب... ولا بد أن عيني كانت تُفصِح عما في نفسي..

بادرني ابن جبير:
أتدري يا صالح... لا يعلو المسلمون وتعود لهم العزة إلا بالإسلام... فلإن كان الإسلام مصدر فخرهم وعزتهم جعل الله الدنيا أداة بين أيديهم... طيّعة سهلة... بل جعل الأمم عوناً لهم في كل خير.... فإذا غابت عزة المسلمين وصاروا يرون الخير فيما يفعله غيرهم ، تحولوا لأقزام وعبيد... ليس رجالهم بأكثر من خدم للكافرين... ولا يعدو شبابهم أن يكونوا أكثر من أعوان الضلال...

مشيت يا أخي في مدينتكم... وجدت بعض شباب الإسلام... عرفت أنهم مسلمون من بعض الكلمات التي تتردد على ألسنتهم أو من ندائهم بعضهم لبعض بأسماء مسلمة صريحة... لكنني يا أخي وجدتهم يكاد أحدهم يخاف أن يختلف عن الكافر بأقل القليل... تصور يا أخي أن أغلبهم يضع الحليّ على يديه أو عنقه... ولا أدري أي رجال هؤلاء من بين المسلمين... وفي معاصمهم تلك الأساور أو على أعناقهم تلك القلائد... أما لباسهم فهو يا أخي قمة العار.... تلك القمصان الشديدة الغرابة فاقعة اللون... أما البنات فالعار يا أخي... وأي عار...كأنهن الجواري الراقصات الفرنجيات ... بل لا أكاد أرى للحياء أقل مكان مع العريّ الفاضح والخلاعة المشينة التي تبتعد بهنّ عن كل خلق إسلامي صحيح...
لا أدري يا أخي.... هل كنتُ مخطئا أم لا؟؟ وهل السبب هو تأثير الفرنجة عليهم لأنهم يعايشونهم؟؟؟

احترت ماذا أجيب الرجل...

أأقول له أن هؤلاء الشباب والشابات هم نتاج تقصيرنا وتقصير آبائهم في تربيتهم...
هل أخبره أن السبب هو تجاهلنا لتعليم هؤلاء وإهمالهم في مدارس الكفر وثقافة الكفر؟؟
أم أخبره أن أمثال هؤلاء كثر في بلاد الإسلام أيضاً.. بل إن بعضهم يمسك بالمناصب الكبيرة الهامة فيُفسد فيها ويخرب العلم والدين... والأنكى هنّ البنات اللاتي عليهنّ يعتمد الجيل وتربيته... والأسرة التي فيها تُصنع الأمة...

سيعودون لدينهم بإذن الله يا ابن جبير... فالصحوة بدأت تنتشر بين الشباب والعودة للدين أصبحت أمراً حتمياً بإذن الله...

دخلنا المكتبة... وما كدت أقابل الأخ البائع الذي رحّب بقدومي فهو صديق قديم حتى غاب ابن جبير بين صفوف الكتب ورفوف الكراسات... يقرأ ويتصفح ولا يملّ ولا يكل...
حتى سمعته يصرخ متعجبا: أخي صالح تعال وانظر..
أتيت مسرعا فوجدت بين يديه كتاباً بسيطاً من الحجم المتوسط أخضر الغلاف مزخرف الجوانب صفحاته تناهز الأربع مئة... عنوانه: رحلة ابن جبير...
نظر ابن جبير إلي بابتسامة واسعة... ثم نظر للبائع الذي كان يقف بجانبي وقال لنا: أي فضل وثواب آتى الله عز وجل هذا الرجل أن بقي كتابه حتى هذا العصر يقرؤه الناس ... وأرجو أن يكون لهم فيه العبرة والفائدة...
تبادلت عينانا الكلمات دون أن ننطق ببنت شفه... قرأت في عينيه السرور البالغ.. والعرفان والشكر لله... والتواضع الذي لا نراه إلا في حدقة مؤمن...

خرجنا من المكتبة وعدنا أدراجنا... ولم نكد نخرج من مدينة باريز حتى أوقفتنا دورية من الشرطة.. وهذا أمر نادر جداً ولو أنه قد يحصل...

طلب الشرطي أوراقنا... تماسكت رابط الجأش.. وقلت له بثقة أن الرجل الذي معي اسباني الجنسية من مدينة غرناطة وأنه لم يحضر أوراقه معه عندما خرجنا من مدينتنا... وكما تعلمون يا إخوتي فإن الأسبان يشبهون العرب ( لأن أصلهم مسلمون مختلطون بالعرب أخرجهم الكلب فرناندو من دينهم غصباً)... نظر الشرطي إلى أوراقى أولاً... ووجد أنني متجنّس من أصل عربي... ونظر بعدها لابن جبير وكلّمه بالإسبانية التي لا أفهم منها كلمة واحدة.... شعرت أن قلبي صار يخفق كالرضيع... لكن ابن جبير أجاب الرجل بلسان اسباني فصيح متمكن... وبابتسامة عريضة واثقة.... تبادل الإثنان بضع جمل كان الشرطي فيها مبتسما سعيدا.. ثم طلب مني الشرطي أن أتابع طريقي دون بأس...
ما إن ابتعدنا حتى سألت ابن جبير عما دار بينهما... فأخبرني أن الشرطي يعرف الإسبانية وهو من محبّي الأندلس وقد أحب أن يتأكد مما قلت فسأل ابن جبير عن بعض المدن المحيطة بغرناطة وعن أسمائها... وهذا كله يعرفه ابن جبير طبعا... وأن الشرطي أثنى في النهاية على اللطف الشديد الذي لاحظه في كلمات ابن جبير واعتذر له عن الإزعاج...

الإزعاج...!!!!!.
يااااااااه... أنقذتنا يا ابن جبير بلسانك الطلق من مأزق شديد... وأنقذتني من همّ عظيم... فلن أجرؤ على الخروج بك من المدينة بعد اليوم حتى أجد حلاً لأوراقك الثبوتية... أو يقضي الله أمرا كان مفعولا....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 11:08 am

الفصل السابع عشر
قبل الخاتمة
أتعلمون يا إخوتي أن قصة ابن جبير هذه كانت نعمة من الله لي... لأنها جعلتني أستشعر فضل الله عليّ في كثير من الأمور... ولم يحرمني الله فيها حتى وجود من يهزأ بها وبي.. وهذا مما زادني سروراً بها واعترافاً بفضل الله....
ابن جبير ... ولا أدري ما الذي جعلني أفكر بقصته... وما الذي جعله يظهر لي... لكنه ولله الحمد ترك الأثر الذي لم أتوقعه.. ليس فقط في نفسي بل في كثير من المواقف التي مرت معي... حتى الشخصية منها... وفتح عينيّ على أمور ونفسيات لم أتوقع أن أصادفها يوما...
أتابع معكم يا إخوتي قصة هذا الرجل... الرجل الذي أتى من عمق الزمان... ليرى أي حال نحن فيه... ليرى النظرة السطحية للبعض... والنرجسية للبعض الآخر... والبساطة مع السذاجة لمن كنا نظنهم أذكياء... أتى ليرى ثم ليخبرنا أن هذا كان في زمنه كما هو في زمننا... ولو خلت منه أزمان لخلى منه زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم...
ابن جبير... رمز أردنا به أن نرى واقعنا... مرآة نرى فيها ما لا نراه إلا بها... وكيف لأحدنا أن يرى ملامح وجهه وقذى عينيه دون أن ينظر في صفحة المرآة... وكيف لنا أن نرى كوارث جيلنا وشبابنا دون مرآتك يا ابن جبير...
ابن جبير...
سأعود معكم لأقص عليكم آخر أخباره...
مضت الأيام وموضوع ابن جبير مازال معلّقا... ولا أدري .. أأُنهيه وأضع الخاتمة أم أتابع فأسرد بعض الأحداث... ومع كل يوم يزداد ترددي في ذالك.. ومع كل ساعة أبتعد فيها عن الكتابة في الموضوع تبتعد عني الأحداث فيه... وأجد العودة أصعب والمتابعة أثقل...
انتهى رمضان... ودّعناه وودّعنا نفحاته... ودّعنا نهاره وصيامه وليله وقيامه.. ودّعناه وفي القلب أسى وفي النفس حسرة... أحسرة واحدة؟؟؟؟ بل حسرات وحسرات... على أيام العمر التي تنقضي... ولا نعلم أي مصير يقترب وأي نهاية تنتظرنا.... أنُكتب عند الخالق الديان من أهل النعيم.. أم؟؟؟؟ لا حول ولا قوة إلا بك يا كريم.. تعطي مِن كرمك ولا تأخذ بعدلك.... تستر العاصي وتتجاوز عن المذنب...
اللهم أسألك العفو والعافية.. أسألك المغفرة والتوبة.. أسألك العطاء... عطاء أطلبه من أكرم الأكرمين... ممن لا يرد سائلا... اللهم لا تحرمني منزلة الشهداء ولا مكانة الصديقين.. وثبّتني في حياتي وعند قبض روحي و أكرمني يوم العرض عليك.. أنا وكلّ من يردد خلف دعائي.. آمين..
أيام مضت على رمضان.... أحد عشرة ... ما أصعب فراقك.... .. أين مني أن تعود فأراك... وأين لي أن أضمن أنفاسي لدقائق حتى أضمن أن أعيش أحد عشر شهرا لتحيى نفسي برؤيتك...
لم أحزن في حياتي على رمضان حزني هذه السنة... أهو السنّ الذي بدأ يشتدّ سائرا في العقد الخامس... أهو اقتراب نهاية بتُّ أراها مع كل لحظة تمرّ... أهو العمر الذي مضى والأوجاع التي بدأت تطرق الباب واثقة من أنها تعطي إنذارا للخاتمة... أم هو الندم على أيام ضاعت لهواً ... ومعاصٍ ليس لها إلا الغفار وحسنات ضننت بها على نفسي فكانت قليلة قليلة... لا أدري كم يبقى لي منها بعد أن يزيح الديان منها حظ النفس والسرور والعجب .....
لم أحزن في حياتي على فراقك يا رمضان حزني أواخر رمضاني هذا.... أهي حسرتي على ليالي العشر الأواخر التي لم أستزد منها كما كنت أرنو... أم هو تقصيري في الإنفاق والبذل والصدقات التي سبقني فيها غيري.... أم هي دماء إخوة في عراق حبيب وفلسطين سليبة " وأغلى من هذه وتلك أحلى وأعظم بقاع الدنيا سوريا الحبيبة " باتت تهفو لها روحي مع كل صورة ترددت أواخر أيامك يا رمضان...
و صورة القاتل المجرم وهو يعود كما عاد منذ آلاف السنين ليرمي إبراهيم في النار ويقتل الأنبياء بغير حق ويقطع رأس يحيى وينشر جسد زكريا ويلوّث سيرة أطهر النساء بنت عمران... ويهين معجزة الله عيسى ... ثم يحشد كل خبثه ليتخلص من خاتم النبيين عسى أن تختفي الهداية من الأرض فيبقى الناس في الظلام والأرواح في ضلال..
هو نفس الظالم الذي وقف للمسلمين كل مرصد منذ تلك الآلاف العديدة... يقتل منهم في كل مكان... في الردة وفي الفتوح وفي الصليبيين وفي التتار... وفي بلاد لازال الإسلام فيها مهيض الجناح قليل الأتباع ... هو الظالم الذي تلوّن ألوانا فلبس جلد الحمَل ،وحمل مكر الذئاب فأكل الجيفة وتلطخ بالنجاسات ... ظالم منا ومن أهلنا... له اسمنا وقلبه مع عدونا... طمع في الدنيا فقبل أن يرقص على جثث إخوته... وأن يمشي على دماء أهله وأن يأكل لحمهم الطاهر.... طمِع في الدنيا... وما تزن الدنيا عند الله جناح بعوضة... وأين منك يا ظالم كل الظلّام الذين ازدحم بهم الكون دهوراً.. ما هم إلا تراب ورفات..لم يبق من ظلمهم إلا اللعنات في الدنيا والعار يحمله أبناؤهم ... ويوم الحساب الأكبر كم سيأتيهم من أناس يتعلقون بهم يقولون.. يا ربّ القصاص القصاص..
حزن فوق حزن... وهل حياتنا إلا الأحزان... يا لرجاحة عقلك يا معرّي...
إن حزنا في ساعة الموت أضعـ................ـاف سرورٍ في ساعة الميلاد..
وشبيهٌ صوت النعيّ إذا ماقيــ...................ـس بصوت البشير في كل نادٍ
وما قيمة هذه الدنيا إذا ساد فيها الظالم فاستبد.... استخف بقومه فأطاعوه... فسطا على البلاد وأهان أكرم الناس وقتل الرجال في المساجد....
لا حول ولا قوة إلا بالله....
أأعود لك يا ابن جبير؟؟؟... ولا أدري أأعود بعد الذي كان....
ألسنا بشرا يا ابن جبير... ألم أقل لك أنني ضعيف ضعيف... لا أصمد أمام أحزاني.... فأنطوي كما يطوي الجنين نفسه ليقبع في رحم أمه ... يطلب الحماية وما له إلا الله...
يا ابن جبير... أقول لك وقد انتهت أيامك فغادرت الدنيا منذ قرون...
لا أدري.... أأقابلك في مكان آخر... مكان نتدافع فيه لهفة للقاء رسول الله...
أراك بجانبي فأقول لك : ألا تعرفني؟؟؟ لقيتك بعد موتك بقرون على صفحاتٍ وهمية... في مكان حبيب أحببت كلّ من فيه ورافقتهم سنوات...
أأراك فأقول لك جوزيت عني خيرا... علّمتني ما لم أكن أظن نفسي سأتعلمه منك... وأفدتني وما كنت لأراك أو أجتمع بك...
يا ابن جبير...
أسألك أنت... ولا أطلب الجواب إلا منك... أبعد كل الذي ذكرته... أتراني وُفَّقت بأن كلّمتك.. وقابلتك... وذكرت عنك ما ذكرت في هذا المكان الهادي اللطيف...
أسألك فأجبني... أجبني يا صديقاً أحببت لو عايشت رحلاته ومشيت معه خطوات الحج يوما بيوم... أجبني يا صديقي... يا أخي... أنكمل مشوارا بدأناه معا؟؟؟ أم نستغفر الله مما بدر منا.. ونطوي الصفحة لنغلق الباب ... باب ذلك البيت الصغير الذي بنيته معك هنا حجرا بحجر... جالستك فيه وجالست إخوتي... لكني نسيت أنه بيت ضعيف ليس لي فيه خبرة ولا أقدر له تدعيما... نسيت أنني لن أقدر على مواجهة الرياح وأنا فيه.. رياح ضعف نفسي وتقلّبات مزاجي وحزني الذي يعود فيوقفني ثم يطرحني أرضا فلا أملك له ردا..
أنتابع يا أخي أم نغلق باب البيت ونخرج منه هادئين... نطلب ممن دخل معنا وجالسنا أن يسامح تقصيرنا وضعفنا...
نخرج لنعيش صور المسلمين يقتلون في المساجد وصور أكلة الجيفة وهم يتشدقون على المنابر يتباهون بأكل لحم إخوتهم وقتل كل دين في بلادهم...
يا ابن جبير... سأبقى يا أخي ماثلا أمامك أنتظر منك الجواب.. فهل تضن عليّ بنصيحتك ... وهل تنسى ما قد اشتد بيننا وثاقه وتمكنت عُراه....
هذا ابن جبير أراه حيرانا.. لا يدري ما يجيبني...
سأنتظر منه الجواب ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 11:08 am

الفصل الثامن عشر

وصية ابن جبير

كلماتي تلك كانت في ثالث يوم من شوال...

كنت أقف مع ابن جبير في محراب المسجد...
لم يبق غيرنا... فالكل غادر المسجد بعد صلاة العشاء... حتى الإمام وهو الذي اعتدنا أن نراه يبث الحياة في المسجد لساعات في الليل ، سواء بتحفيظه القرآن لمن يأتي طوعاً حيث يبقى الساعات مع الأطفال والشباب والرجال يتنقل من واحد لآخر ، يستظهرون له ما حفظوا... أو بصلاته ركعات يبقى فيها المسجد مفتوحا لا يعمره إلا هذا الشاب المخلص الذي أحبّه كل أهل المدينة رغم أنه معنا منذ أقل من أربعة شهور... لكنه هذه الليلة غادرنا بعد الصلاة... فقد كان مدعوا عند أحد الإخوة ....

بقينا وحدنا... ابن جبير وأنا....

وضع يده على كتفي...

وقف كعادته ليصلي.... فما اشتد أمر عليه إلا كان على سنة خير الورى.. لا يجد إلا الصلاة ملجأ...

وقفت بجانبه وصليت ركعات...

ثم جلست أفكر... لماذا؟؟؟ لماذا يقف هذا الرجل صامداً... يصلي ويقوم الليل... وواحدنا لا يقدر على الصبر ليلة للقيام..

لماذا نخطط للعبادات شهوراً ثم نتخاذل بعد أيام من بدئها...

لماذا لا نقدر على مواجهة أنفسنا ومجتمعاتنا وأهلنا وأعدائنا... بل لا نقدر على مواجهة أقل الشهوات عندنا..

أما هذا الرجل فقد هجر كل شيء.. هجر بلده وزمانه.. هجر أهله وإخوانه... هجر أيامه وهجر حياته... هجرها ونسيها تماما عندما وجد نفسه يعيش بعيدا عن كل هذا... ووقف لا يزحزحه شيء.. ولا ينقص من إيمانه شيء... ولا يصدع ثقته بالله شيء... ولا يزيده كل هذا إلا تصميما على الطاعة والعبادة...

أنهى الرجل ركعاته وجلس بجانبي...

يا أخي صالح.... أنا مغادركم لا بدّ... ولا أدري ما الذي كتبه الله لي من بعد... ولا ما الحكمة من قدر الله عليّ بحضوري هنا .. أما أنتم فأظن أني فهمت بعضاً من أموركم...
ربما يا أخي تكون نظرتي أكثر عمقاً من نظرتكم في بعض الأمور... فقد رأيت حياتكم دفعة واحدة.. ولم أعايشها رويداً رويداً فتفوتني منها أمور...
أنتم يا أخي جيل المعاناة.. وما يضيركم هذا...

لا دولة تحميكم ولا قوة أو بأس تنضوون تحت لوائه...
أنتم يا أخي الأيتام... لكن يُتمُكم هذا هو كَيُتم خير الأنام...
أراد الله للأجيال هنا أن تُصنع على عينه... لا يكلؤها إلا الله... ولا يتعهد تربيتها إلا القرآن وسنّة نبيه...
سيكون لهم مواقف يأس ومواقف ضعف... لكنها ستكون بإذن الله خيراً للجميع... ترفع من أرواحهم وتقوّي عزيمتهم...

مهما مات منهم يا أخي سيبقى من يتابع المسير... وسيزدادون قوة وعزماً يوما بعد يوم...
لا تقلق يا أخي... فالباطل زاهق بإذن الله...
انظر يا أخي للتاريخ... يخبرك.... هل من باطل إلا اختفى... وهل من ظالم إلا انتهى...

سيعود الإسلام يا أخي كما أتى...
ألا تعلم؟؟؟... لقد أخبرنا رسول الله بهذا... سيعود الغريب كما أتى... قوياً ينشر الحق والعدل... فطوبى للغرباء...
لا تحزن يا صالح للحظات الأسى... ففيها ترقّ القلوب وتنفض النفوس عن كاهلها أثقالها... حتى تصبح شفافة كالنسيم العليل...

وصية يا صالح... أوصيكها... ولا أدري .. أيسمعها غيرك أم تبقى معك ...اعمل بها يا أخي...
لا تتعجل النصر... لا تقم بعمل يهدم سنينا من العمل والجهد... لا تجعل ثورتك تنسيك الحكمة فتقول ما يؤذي عملاً قمت به أو قام به غيرك...
اجعل العمل الصامت يا صالح ديدباً عندك... واستعن على قضاء حاجتك بالكتمان.... فكم من مندفع ثائر كانت ثورته كالطبل الفارغ... ما إن تصيبه بأصغر حجر حتى تمزقه فلا يبقى له صوت... وترى باطنه فإذا هو هواء وفضاء... أما الصخر يا أخي فلا صوت له إذا ربّتت عليه... لكنه قاسٍ قوي صلد...
كن يا أخي وإخوتك كصخور الجبال... تلبث في مكانها ترقب الوقت... حتى إذا جاء يومها انصبّت جلموداً لا يقف أمامها أحد...

أخي صالح....
انظر أنت وإخوتك... انظروا سيرة المصلحين فاعملوا عملهم.... رسول الله وصبره على الأذى وثقته بالله وعمله الدؤوب دون تردد ..
انظر سيرة ابن حنبل وعمر ابن عبد العزيز... انظر سيرة الشافعي والبخاري..

انظر سيرة العظيم ابن تاشفين... والمظفر صلاح الدين...
هؤلاء يا أخي كان عملهم أقوى من أن يهزمه الكافر... وبناؤهم أشد وأقوى من أن تزحزحه الأعاصير... وما كان لعملهم أن يصل لهذا لولا الصبر وبناء النفوس وشحن الهمم والقوة بالإيمان....

أخي صالح...

كنت أود أن أحدثك عن أمور رأيتها بينكم لم تعجبني... أمور في العيد وقبل العيد وبين المسلمين في هذه المدينة وأظن أن مثلها يحصل في كل بلد من بلاد المسلمين وفي كل مسجد... لكنني يا أخي عزفت صفحاً عن هذا... فلا بد من الخطأ تلو الخطأ لتجدوا طريق نهضتكم بأنفسكم...
أوصيك يا أخي أن تجعل العمل لله.. ولا بد من أن تخطئ أو يخطئ غيرك... فإذا كان العمل بنية الثواب فستجدوا معه الوفاق مهما اختلفتم...

عد يا أخي لبيتك... فغدا ستعود لعملك.. عد يا أخي ودعني أدعو ربي أن يعيدني من حيث أتى بي...

عد يا أخي... وإلى اللقاء بإذن الله...

التزمت الرجل وأحطته بذراعي... وأحببت أن أستزيد من عناقه...
قبّلته بين عينيه... وأمسكت قبضته أشد عليها ولا أريد لها أن تبتعد عن يدي.... شعرت أنه بعض أهلي... أهل فيهم كل جذوري... جذور ضاربة في الزمان... من زمن أول الأنبياء وأبيهم آدم إلى لحظات المحنة في الطائف.. إلى الهجرة فبدر فأحد...
أحسست أن لا أهل لي غيره.... فدمه يجري في عروقي وعروق إخوتي وآبائي... دم طاهر نقيّ ... رفض التلوث بدرن الدنيا وأهوائها... دم يأتي منه بعض النقاء فيمدني بالقوة والصبر...

وداعا يا ابن جبير...
في أمان الله يا أخي...

غادرت الرجل وعدت لبيتي.. لأنام وأنا آمل بالنصر والفرج يأتي في زماني فأراه وأسعد به بإذن الله....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.صالح
متميز
متميز
avatar

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 29/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: ابن جبير   الجمعة يوليو 27, 2018 11:09 am

الفصل التاسع عشر

الرحيل

مازالت لحظات الوداع تقف ساخرة مني في كل مكان...

مازالت تعود فتعود كأنها الشيء الوحيد الذي لم أودّعه... مازالت تأتيني... أهرب منها لأختبئ.. لكنها تجدني أينما كنت...

ودعت ابن جبير... وما ظننت عندما التقيته منذ أسابيع أنه سيأخذ هذا المكان في قلبي.. كنت أظننه وهماً كبيراً يمر كالطيف فلا يبقى منه إلا ملامح حلم جميل يدغدغ الذاكرة عندما تتفتح العيون مستيقظة... لكنك يا ابن جبير تربّعت حتى كان مكانك لك لا يأخذه غيرك... وأضحى حلمك رؤيا... أراها مع كل لحظة وأستشعرها... أحسّ بها في كل خلية من جسدي... كما عشتها بأحاسيسي ووجداني مع كل دقيقة من أسابيعي الماضية...

لم يكن وداعي لابن جبير كوداع غيره.. لم أضمّه إلى صدري كما ضممت إخوة وأحبة مع كل لحظة تباعدت فيها بيننا المسافات... لم أضع قبلة أخرى على جبينه كما أفعل مع أحبتي... لكن عبراتي عادت مخلصة.. لا تفارقني.. منذ سنين تعود لتقول للوداع أنها هنا .. تواسيني وتخفف عني...

لماذا أتيت يا ابن جبير... ولماذا غادرتنا... وهل ستعود يوما .. وأين مني أن أراك...

ذهبت البارحة لمسجدي وقلبي يهفو لرؤيته... وقد أمضيت الساعات وأنا أجمع أوراقي وأكتب رسائلي لأطلب له الثبوتيات التي وعدته بها... ذهبت وأنا كلي أمل أن ابن جبير سيبقى معنا... وسيسافر إلى دمشق والاسكندرية ثم يعود إلى غرناطة مدينته التي لا تبتعد عن قلبه...
أصبح وجوده محببا حتى أنني أنسيت نفسي أنه أتى من الأبعاد وأن مقامه من المستحيلات...

صلّيت ركعات في مسجدي مناجيا ربي...
وجلست أتلذذ بهواء المسجد لحظات ، ثم قمت أبحث عنه....
أين الشيخ جابر ؟؟ سألت خادم المسجد....
لا أدري؟؟ كان هنا منذ لحظات.. كان يقرأ القرآن ثم قام فأحضر رداءه القديم و دخل إلى قاعة التدريس ...

دخلت القاعة... لم أجده...!!!!. كانت العباءة المغربية التي أعطيتها له وغطاء الرأس الأبيض مستندة على كرسي في القاعة.. وكان المصحف مفتوحا على سورة العنكبوت:

الـم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ

صدق الله العظيم...

أغلقت المصحف وحملته ... ونظرت حولي!!!
لا أحد.... النافذة مغلقة... والباب مغلق..... ولا أحد...

قفزت في ذهني فكرة مرعبة.... أتراه ذهب؟؟... لا ... لا ... أنه هنا.... حتما هنا.... خادم المسجد مخطئ حتما... لا بد أنه لم يره وهو يخرج..

يا حاج محمد.... ألم تره يخرج؟؟؟؟ لا يوجد أحد...

دخل الحاج محمد للقاعة مندهشا... لا يا أخي... لقد دخلها أمامي منذ لحظات... نظر إليك وأنت تصلي... ثم أتى فصافحني ثم دخل الغرفة ولم يخرج...

شعرت أن قلبي يتمزق... وآه منك يا قلبي... وهل بقي منك جزء لم يتمزق...
خرجت أجوب الشوارع... عسى أن أراه... مشيت ومشيت.. ونظرت ملهوفا في كل اتجاه...
ابن جبير....
ابن جبير.....
أين ذهبت يا أخي.... أضننت علي بكلمة وداع...

ذهب ابن جبير.... هل عاد لزمانه؟؟؟.... أم ذهب لمكان لا يعلمه إلا الله.... أم كان حلماً جميلاً لا وجود له؟؟؟..

عدت لبيتي وهموم الدنيا تلاحقني...
عدت لأجد نفسي مرة ثانية دون صديق بعد أن رزقني الله أخاً صديقاً حبيباً رافقني أسابيع مضيئة...
عدت لأحزاني التي لا تنتهي... ولهمومي التي لا أجد لها مخرجاً..
عدت لحزني على إخوتي وأهلي والمسلمين..
عدت لحزني لتقصيري وإسرافي في أمري
عدت لبيتي ولا أجد إلا بضع عبرات أبثها حزني..

ذهب ابن جبير يا أبنائي...
....

أخرجت كتبي وعدت أتصفح تاريخ الأندلس وأبحث عن تراجم الرجال لأقرأ من هنا وهناك كلمات عن هذا الصديق القديم قدم التاريخ...

عدت لأفتح كتاب رحلته... عدت لأعيش معه وأراه مع كل كلمة...

تصفحت كتبي ... وبين الأسطر في أحدها وجدت الكاتب يقول:
ابن جبير الأندلسي رحالة أديب عالم لغوي فقيه..
اشتهر في الأندلس وغرناطة واشبيلية...
رحل مرات إلى الحجاز والشام ومصر..
......
.....

في رحلته الأخيرة للشام تاه في بساتين الغوطة عند الربوة.. ولم يعثر عليه أحد لعدة أسابيع حتى ظن الناس أن وحشا قد قتله...

وُجد بعدها وهو صحيح معافى.. لكنه منذ عودته توقف عن الكتابة.. وبقي يعلم الصغار القرآن واللغة والأدب .. ونوى أن يعود لغرناطة لكن المنية عاجلته في الاسكندرية حيث دُفن فيها...

عدت اليوم لأقرأ هذه الكلمات ثانية لكنني نسيت في أي كتاب كانت... بحثت عنها بين الصفحات فلم أعثر عليها...

خرجت من بيتي صباحا إلى عملي...
وتوقفت حيث وجدت ابن جبير أول مرة... تمنيت لو أرى مرة ثانية هذا الرجل ذو العمامة والرداء الأندلسي يقف على الرصيف كما كان ..

أكملت طريقي .. وأنا أعلم أنني سأبقى ما حييت آمل أن أراه ثانية ...
سيعود... حتما سيعود.... ربما هو الآن في بلد آخر أو رحلة أخرى... لكنني أرفض الوداع... أرفض أنه غادرنا لزمنه القديم دون عودة..

وداعا ....
وداعا يا ابن جبير.........

13 شوال 1426 هجرية

الخاتمة

هذه كلماتي أكتبها بعد سنوات.. فقد مضى على قصة ابن جبير ست سنوات منذ كتبتها في رمضان ..

تتابعت الأحداث في هذه السنوات.. لكن الحدث الجلل العظيم هو ثورات الشباب... فقد هجرت عيوننا الكرى منذ أن أشعل البوعزيزي منارة الحرية وأيقظ ضمير الشعوب.. فكانت تونس ثم مصر ثم اليمن وليبيا ثم أم الحضارة وحاملة مشعل الإسلام الشام .. ثم تعود العزة للعرب والمسلمين بإذن الله الذي ندعوه أن يحقن الدماء ويحفظ النفوس

لم أكن أحلم عندما كتبت ابن جبير أنني سأرى في حياتي ساعات التغيير وانتفاضة الشباب العظيمة المسالمة الهادئة الواعية التي ضحى فيها مئات بل ألوف منهم بدمائهم رخيصة ليرسموا بها الخطوط الأولى الضعيفة لمستقبل مازلنا ننتظر منه الكثير

لو كان ابن جبير معنا لسره ما يرى ولما غادرنا حزينا حسراناً كما غادرنا...

ونبقى كلنا ابن جبير.. ويبقى شبابنا كلهم صلاح الدين والمظفر قطز والظاهر ونور الدين وطارق وقتيبة وابن القاسم والوليد...

ولا أظن أحداً من أجدادنا العظام ليفعل أكثر مما فعل شبابنا الأشاوس.. فطوبى لهم وحسن مآب

العاشر من محرم 1433
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ابن جبير
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Arab Knights :: صلوحيات-
انتقل الى: